المعنى الجملي : بعد أن أرشدنا في الآية السابقة إلى بعض آيات علمه في خلقه التي بها جعل البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ـ نبهنا في هذه إلى أن العليم بكل شيء لا يمكن أن يترك الناس سدى، فهو لم يخلقهم عبثا ـ ومن ثم لا يليق بحكمته وعدله أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا أن يسوّى بين الطيب والخبيث فيجعل البر كالفاجر والمصلح كالمفسد، بل لا بد من الجزاء بالحق، لذلك جاءت هذه الآيات ترغيبا لعباده وترهيبا لهم، ووعدا ووعيدا.
وبعد أن بين سبحانه أن الجزاء منوط بالأعمال أراد أن يبين ما يتعلق به الجزاء من صفات الأعمال والعاملين لها وأرشد إلى أن هناك حقيقتين مختلفتين يترتب على كل منهما ما يليق بها من الجزاء فقال : قل لا يستوي الخبيث والطيب .
الإيضاح : قل لا يستوي الخبيث والطيب أي قل أيها الرسول مخاطبا أمتك : لا يستوي الرديء والجيد من الأشياء والأعمال والأموال، فلا يتساوى الضار والنافع ولا الفاسد والصالح، ولا الحرام والحلال، ولا الظالم والعادل فلكل منها حكم يليق به عند الله الذي يضع كل شيء في موضعه بحسب علمه.
ولو أعجبك كثرة الخبيث أي ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث من الناس أو من الأموال المحرمة لسهولة تناولها والتوسع في التمتع بها كأكل الربا والرشوة والخيانة.
والخلاصة : إنهما لا يستويان لا في أنفسهما ولا عند الله، ولو فرض أن كثرة الخبيث أعجبتك وغرتك، فصرت بعيدا عن إدراك تلك الحقيقة، وهي أن القليل من الحلال خير من كثير الحرام حسن عاقبة في الدنيا والآخرة، ألا ترى أن القليل الجيد من الغذاء أو المتاع خير من الكثير الرديء الذي لا يغني غناءه ولا يفيد فائدته، بل ربما يضر ويؤذي صاحبه.
فكذلك الحال بالنسبة إلى الناس، فالقليل الطيب منهم خير من الكثير الخبيث، فطائفة قليلة من شجعان المؤمنين تغلب الطائفة الكثيرة من الجبناء المتخاذلين، وجماعة قليلة من ذوي البصيرة والرأي تأتي من الأعمال ما يعجز عنه الكثير من أهل الحمق والبلاهة، فالعبرة بالصفة لا بالعدد، والكثرة لا تكون خيرا إلا بعد التساوي في الصفات الفاضلة.
فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون أي فاتقوا الله يا أرباب العقول الراجحة، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان، فتغتروا بكثرة المال الخبيث وكثرة أهل الباطل والفساد من الخبيثين، فتقوى الله هي التي تجعلكم من الطيبين وبها يرجى أن تكونوا من المفلحين الفائزين بخيري الدنيا والآخرة.
وخص أولي الألباب بالاعتبار لأنهم هم أهل الروية والبصر بعواقب الأمور التي ترشد إليها مقدماتها بعد التأمل في حقيقتها وصفاتها، أما الأغرار الغافلون فلا يفيدهم وعظ واعظ ولا تذكير مذكر فلا يعتبرون بما يرون بأعينهم ولا بما يسمعون بآذانهم، كما يشاهد ويرى من حال كثير من الأغنياء الذين ذهبت أموالهم الكثيرة التي جمعت من الحرام، وحال الدول التي ذهب ريحها بخلوها من فضيلتي العلم والخلق وورثها من كانوا أقل منهم رجالا ومالا إذ كانوا أفضل منهم أخلاقا وأعمالا.
تفسير المراغي
المراغي