ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون( ١٠٠ )
سنة الله تعالى أن يخالف بين الحسن والقبيح، والصالح والفاسد، فليسا سواء، لا في الأولى ولا في العقبى، وقد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغنا هذا الحق عن ربنا الحق : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ، والخبيث : المكروه ( (١) )، فإن كان في الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار ؛ والطيب : خلاف الخبيث، وقد تتسع معانيه ( (٢) ) ؛ ولو أعجبك كثرة الخبيث ليس يستوي ما هو طيب ومن هو طيب مع ما خبث ومن خبث أعجبك كثرة الخبيث أو لم يعجبك، والمخاطب هنا : كل من يصلح للخطاب ؛ وربنا بحكمته فرق بين الحق والباطل وأهل كل منهما، وبين البر والفاجر، وبين المهتدين والغاوين، وبين المصلحين والمفسدين، يقول سبحانه وهو أصدق القائلين :( أم حسب الذين اجترحوا السيآت أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ( (٣) )، ويقول تقدست أسماؤه :( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) ( (٤) )، ويقول تباركت آلاؤه :( أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون ) ( (٥) ) ؛ - لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون، الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلوا دون أهل معصيته، وأن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا ؛ يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : فلا تعجبن من كثرة من يعصى الله فيمهله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبى الصالحة لأهل الله عنده دونهم، ... وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به بعض أتباعه، يدل على ذلك قوله : فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون - ( (٦) ) فاحذروا الله يا أصحاب العقول أن تغركم سطوة الباطل، أو ما مُتع به الفجار من زخرف وعرض حائل، بل على من أراد الفوز بما يرغب، والنجاة مما يرهب أن يؤثر ما بقي على ما يفنى ( (٧) ) ؛ ( وهو عام في حرام الأموال وحلالها، وفاسد الأعمال وصالحها، وسقيم المذاهب وصحيحها، ورديء النفوس وجيدها ؛ وأخبث الخبائث الروحانية : الجهل والمعصية ؛ وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته ؛ والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبقى وأدوم، وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخبيث يا إنسان بالطيب، ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في التحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، وفقده زيف، وصرف العمر في طلبه حيف ) ( (٨) ). يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم في الصحيحين عن أنس قال : قال رجل : يا نبي الله من أبي ؟ قال : " أبوك فلان " قال : فنزلت :

١ وقد يراد به الفاسد الرديء من الرزق والولد والناس، وقد يراد به الشر؛ يقول اللغويون: وما جاء في الحديث: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" قد يراد به الاستعاذة من إناث الشياطين وقد يراد بالخبث: الفجور والخصال الرديئة؛ والخبثة: الزنية والفسق؛ ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث، قد يعني: ما خبث لنجاسته وهو الحرام، كالخمر والأوراث والأبوال؛ أو من جهة الطعم والمذاق، لما فيه من المشقة على الطباع وكراهية النفوس لها؛ والأخبثان: قد يراد بهما: الرجيع والبول؛ أو: السهر والضجر؛ أو: البول والغائط؛ أو: القيء والسلاخ..
٢ يقال: أرض طيبة: أي تصلح للنبات؛ وبلدة طيبة: آمنة كثيرة الخير؛ وتربة طيبة: طاهرة؛ وامرأة طيبة: إذا كانت حصانا عفيفة؛ ونفس طيبة: راضية بما قدر الله تعالى لها؛ وكلمة طيبة: ليس فيها مكروه؛ ونكهة طيبة: ليس فيها نتن وإن لم يكن فيها ريح طيبة كالند والعود؛ وزبون طيب: سهل في مبايعته؛ وريح طيبة: لينة ليست بالعاصفة الشديدة؛ وطاب الشيء: لذ وزكا..
٣ سورة الجاثية. الآية ٢١..
٤ سورة ص. الآية ٢٨..
٥ سورة القلم. الآيتان ٢٦، ٢٥..
٦ من جامع البيان للطبري..
٧ في المأثور: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى؛ وروى البنوي عن أبي أمامة-يرفعه-:" قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"..
٨ ما بين العلامتين ( ) من تفسير غرائب القرآن.. للنيسابوري..

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير