ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم (١) :
اختلف في تأويل هذه الآية هل هي منسوخة أم لا ؟ فقيل : إنها تقتضي إصلاح المرء نفسه، وأنه (٢) لا يجب عليه إصلاح غيره بأمره بمعروف أو(٣) نهيه عن منكر إلا أن هذا منسوخ بإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [ آل عمران : ١٠٤ ]، وذهب قوم إلى أن الآية محكمة ورووا(٤) أن أبا أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال : لقد سألت عنها(٥) خيرا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ائتمروا(٦) بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم(٧) فإن وراءك أياما(٨) أجر العامل فيها كأجر الخمسين منكم " (٩)، وكان أبو بكر(١٠) الصديق رضي الله تعالى(١١) عنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد المنبر فقال : " أيها الناس لا تغتروا(١٢)، يقول الله تعالى : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل (١٣) [ المائدة : ١٠٥ ]، فيقول أحدكم : علي بنفسي والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون(١٤) عن المنكر(١٥) وليستعملن(١٦) عليكم شراركم فليسومونكم(١٧) سوء العذاب ". وروي عن ابن مسعود أنه قال : ليس هذا بزمان هذه الآية قولوا(١٨) الحق ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم(١٩). وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن : لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه(٢٠)، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : " ليبلغ الشاهد منكم الغائب " (٢١)، ونحن شهداء فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل(٢٢) فيه الحق لم يقبل(٢٣). وحاصل هذا القول في الآية بأنها محكمة أنها إنما هي(٢٤) في الوقت الذي لا يقبل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسيأتي الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضعه، ونذكر ما اختلف فيه من ذلك إن شاء الله تعالى.
وذهب قوم منهم سعيد بن جبير إلى أن معنى هذه(٢٥) الآية : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم : التزموا شرعكم بما فيه من جهاد أو أمر بمعروف أو غيره، ولا يضركم أهل الكتاب إذا اهتديتم. وذهب قوم منهم ابن زيد إلى أن المعنى : يا أيها الذين آمنوا يريد أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السائبة(٢٦) عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين لا يضركم ضلال الآباء(٢٧) إذا اهتديتم. قال ابن زيد : وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار : سفهت آباءك(٢٨) وضللتم(٢٩) وفعلت وفعلت(٣٠)، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أنها نزلت بسبب ارتداد(٣١) بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح(٣٢) وغيره، فقيل للمؤمنين : لا يضركم ضلالهم. وذهب قوم إلى أن معناها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد(٣٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال سعيد : بن جبير : أراد بهذه الآية(٣٤) أهل الكتاب الذين يقرون بالجزية على الكفر ولا يضرنا كفرهم، لأن أعطيناهم الذمة على أن نتركوهم(٣٥) وما يعتقدون، ولا يسوغ لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام فهذا(٣٦) الذي لا يضرنا الإمساك عنه.

١ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ساقطة في (هـ)..
٢ "وأنه" ساقطة في (هـ)..
٣ في (هـ): "واو"..
٤ في (أ): "وأوا" في (ب) و"روي"..
٥ في (هـ): "قد سالت عنها" وكلمة"عنها" ساقطة في (ج)..
٦ في (د): "آمروا"..
٧ في (هـ): "عوراتهم"..
٨ في (ب) و(ج): "أيامك"..
٩ انظر سنن الترمذي: كتاب الفتن، باب٩، ص ٣١٦، وسنن أبي داود: كتاب الملاحم، باب "الأمر والنهي" ص ١٢١- ١٢٣..
١٠ في (أ):"أبا بكر"..
١١ كلمة ساقطة في (هـ)..
١٢ في (ج): "لا تعتدوا"..
١٣ لا يضركم من ضل ساقطة في غير (هـ)..
١٤ في (ب) و(ج) و(د): "لتنهين"..
١٥ الجار والمجرور ساقط في (أ)..
١٦ في (ب) و(ج): "ليستعلن"..
١٧ الكلمة بياض في (ب) في (د): "فليسومكم"، د في (هـ): "فليسومنكم"..
١٨ في (ب): "قوله"..
١٩ في (ج): "وروي عن ابن مسعود أنه قال ليس هذا بزمان هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه"..
٢٠ قوله: "وقيل.... ولم تنه" ساقط في (ج)..
٢١ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب العلم، باب ٣٧، ص ١٩٧، وكتاب الحج، باب ١٣٢، ص ٥٧٣، وكتاب الأضاحي: باب ٥، ص ٧٣، وكتاب المغازي: باب ٥١، ص ٣٠، وكتاب الفتن: باب ٨، ص ٢٦، وانظر كذلك المسند للإمام أحمد، ج٤، ص ٣٢..
٢٢ كلمة بياض في (د)..
٢٣ في (أ): "لم يبلغ" في (ب) و(ج): "لم يقبل الحق" في (د): "لم يبلغ الحق"..
٢٤ "هي" ساقطة ف (ب) في (د) و(هـ): "إنما نهى" في (ج): "هي نهي"..
٢٥ اسم الإشارة ساقط في (د)..
٢٦ في (أ): "وسيبوا السائبة والسوائب"..
٢٧ كلمة بياض في (د)..
٢٨ في (هـ): "آباءك"..
٢٩ في (هـ): "وضللت"..
٣٠ "وفعلت" ساقطة في (ب) و(ج) و(د)..
٣١ في (ب): "أو ترده"..
٣٢ في أبي سرح..
٣٣ في (هـ): "قيل"..
٣٤ "بهذه الآية" ساقطة في (هـ)..
٣٥ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "نخيلهم"..
٣٦ في (هـ): "فهو"..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير