يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون [ المائدة : ١٠٥ ].
المعنى الجملي : بعد أن نعى سبحانه على المشركين ما هم عليه من جهل وعناد، وطغيان وفساد، أنهم لم ينتفعوا بإعذار ولا إنذار، بل بقوا مصرين على جهلهم، سادرين في ضلالهم أمر المؤمنين بأن يهتموا بإصلاح أنفسهم بالعلم النافع والعمل الصالح، وأبان لهم أنهم إذا أصلحوا أنفسهم، وقاموا بما أوجب الله عليهم من علم وتعليم وإرشاد فلا يضيرهم بعد ذلك ضلال من ضل وحاد عن الصراط السوي، وسار سادرا في غلواء الجهل والتقليد، وتنكب عن جادة الحق.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم إذا اهتديتم أي احفظوا أنفسكم من المعاصي، وانظروا فيما يقربها من ربها، ويخلصها من عقابه، ولا يضركم ضلال غيركم إذ أنتم اهتديتم ولا تزر وازرة وزرة أخرى [ فاطر : ١٨ ].
إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون أي إليه وحده رجوعكم ورجوع من ضل عما اهتديتم إليه فينبئكم عند الحساب بما كنتم تعملون في الدنيا ويجزيكم به.
روى ابن كثير : أن أبا بكر قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب ".
وروى الترمذي عن أبي أمية الشيباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت : ما تصنع في هذه الآية ؟ قال : أية آية ؟ قلت قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهو متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعلون كعملكم ".
روى ابن جرير عن ابن عقال قال : قيل لابن عمر لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال : عليكم أنفسكم لا يضركم إذا اهتديتم فقال ابن عمر : إنها ليست لي ولا لأصحابي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ألا ليبلغ الشاهد الغائب " فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم.
الخلاصة : إن الرواة من السلف متفقون على أن المؤمن لا يكون مهتديا إذا أصلح نفسه ولم يهتم بإصلاح غيره بأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وأن ذلك فرض لا هوادة فيه.
ولكن هذه الفريضة تسقط إذا فسد الناس فسادا لا يرجى معه تأثير الوعظ والإرشاد، أو فسادا يؤدي إلى إيذاء الواعظ المرشد، بأن يعلم أو يظن ظنا قويا بأن لا فائدة من نصحه، أو بأنه سيؤذى إذا هو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ويحرم عليه إذا أدى إلى الوقوع في التهلكة.
تفسير المراغي
المراغي