الرَّجُلِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى بَيَّنَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْإِلْقَاءِ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَيْعِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، وَأَنَّ الْإِلْقَاءَ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ تَرْكُ الْجِهَادِ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الدُّنْيَا وَعِمَارَتِهَا.
وَقَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (٥: ١٠٥) وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ " فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فِي فَهْمِهِمْ مِنْهَا خِلَافَ مَا أُرِيدَ بِهَا.
وَأَشْكَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْرُ الْفِرْقَةِ السَّاكِتَةِ الَّتِي لَمْ تَرْتَكِبْ مَا نُهِيَتْ
عَنْهُ مِنَ الْيَهُودِ هَلْ عُذِّبُوا أَوْ نَجَوْا حَتَّى بَيَّنَ لَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ دُخُولَهُمْ فِي النَّاجِينَ دُونَ الْمُعَذَّبِينَ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ عَنِ السَّاكِتِينَ: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) (٧: ١٦٤) فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا فِعْلَهُمْ وَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُوَاجِهُوهُمْ بِالنَّهْيِ فَقَدْ وَاجَهَهُمْ بِهِ مَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَنْهُمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَمَّا قَامَ بِهِ أُولَئِكَ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ فَلَمْ يَكُونُوا ظَالِمِينَ بِسُكُوتِهِمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا عَذَّبَ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ وَعَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ، وَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ السَّاكِتِينَ قَطْعًا، فَلَمَّا بَيَّنَ عِكْرِمَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الظَّالِمِينَ الْمُعَذَّبِينَ كَسَاهُ بُرْدَةً وَفَرِحَ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلصَّحَابَةِ: " مَا تَقُولُونَ فِي (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) (١١٠: ١) السُّورَةَ قَالُوا: أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ إِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا تَقُولُ أَنْتَ قَالَ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا غَيْرَ مَا تَعْلَمُ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ الْفَهِمَ وَأَلْطَفِهِ وَلَا يُدْرِكُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعَلِّقِ الِاسْتِغْفَارَ بِعِلْمِهِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِمَا يُحْدِثُهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنْ نِعْمَةِ فَتْحِهِ عَلَى رَسُولِهِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِغْفَارِ، فَعَلِمَ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِغْفَارِ غَيْرُهُ، وَهُوَ حُضُورُ الْأَجَلِ الَّذِي مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالِاسْتِغْفَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَلْقَى رَبَّهُ طَاهِرًا مُطَهَّرًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَيَقْدَمَ عَلَيْهِ مَسْرُورًا رَاضِيًا مَرْضِيًّا عَنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (أَيْضًا) (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ دَائِمًا فَعُلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ بَعْدَ الْفَتْحِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَمْرٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيِ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَأَنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ عُبُودِيَّةِ التَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ الَّتِي
تُرَقِّيهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ بَقِيَّةٌ فَأَمَرَهُ بِتَوْفِيَتِهَا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ شَرَعَ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِيمِ الْأَعْمَالِ فَشَرَعَهَا فِي خَاتِمَةِ الْحَجِّ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَشَرَعَ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ كَمَالِ وُضُوئِهِ أَنْ يَقُولَ: " اللهُمَّ اجْعَلْنِي
مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ " فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ عَقِيبَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَأَمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَ تَوْفِيَتِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ حِينَ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا، فَكَأَنَّ التَّبْلِيغَ عِبَادَةٌ قَدْ أَكْمَلَهَا وَأَدَّاهَا فَشَرَعَ لَهُ الِاسْتِغْفَارَ عَقِيبَهَا.
وَالْمَقْصُودُ تَفَاوَتُ النَّاسِ فِي مَرَاتِبِ الْفَهِمَ فِي النُّصُوصِ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ مِنْهَا عَشْرَةَ أَحْكَامٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ فِي الْفَهْمِ عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ سِيَاقِهِ وَدُونَ إِيمَائِهِ وَإِشَارَتِهِ وَتَنْبِيهِهِ وَاعْتِبَارِهِ، وَأَخَصُّ مِنْ هَذَا وَأَلْطَفُ ضَمُّهُ إِلَى نَصٍّ آخَرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ فَيُفْهَمُ مِنَ اقْتِرَانِهِ بِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ بِمُفْرَدِهِ. وَهَذَا بَابٌ عَجِيبٌ مِنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ إِلَّا النَّادِرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الذِّهْنَ قَدْ لَا يَشْعُرُ بِارْتِبَاطِ هَذَا بِهَذَا وَتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَهَذَا كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) مَعَ قَوْلِهِ: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَمَا فَهِمَ الصِّدِّيقُ مِنْ آيَةِ الْفَرَائِضِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَآخِرِهَا أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَأَسْقَطَ الْإِخْوَةَ بِالْجَدِّ، وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ إِلَى هَذَا الْفَهْمِ حَيْثُ سَأَلَهُ عَنِ الْكَلَالَةِ وَرَاجَعَهُ السُّؤَالَ فِيهَا مِرَارًا فَقَالَ: " يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ " وَإِنَّمَا أَشْكَلَ عَلَى عُمَرَ قَوْلُهُ: (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) (٤: ١٧٦) الْآيَةَ فَدَلَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا بَيَّنَ لَهُ الْمُرَادَ مِنْهَا، وَهِيَ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ، فَإِنَّهُ وَرِثَ فِيهَا وَلَدُ الْأُمِّ فِي الْكَلَالَةِ السُّدُسَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْكَلَالَةَ فِيهَا مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ وَإِنْ عَلَا " انْتَهَتِ الْمُقَدِّمَةُ.
أَقُولُ: ثُمَّ إِنَّهُ أَوْرَدَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ عِدَّةَ مَسَائِلَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بَيَّنَتْهَا النُّصُوصُ، وَهِيَ سِتُّ مَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ وَقَدْ وَضَّحَ فِيهَا إِغْنَاءَ النَّصِّ عَنِ الْقِيَاسِ أَتَمَّ الْإِيضَاحَ.
مِثَالُ النُّصُوصِ الْكُلِّيَّةِ الْمُغْنِيَةِ عَنِ الْقِيَاسِ:
ثُمَّ زَادَ عَلَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ عِدَّةَ نُصُوصٍ كُلِّيَّةٍ يُغْنِي كُلٌّ مِنْهَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَدَامَ اللهُ النَّفْعَ بِعِلْمِهِ
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ " عَنْ إِثْبَاتِ التَّحْرِيمِ بِالْقِيَاسِ فِي الِاسْمِ أَوْ فِي الْحُكْمِ كَمَا فَعَلَهُ مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الِاسْتِدْلَالَ بِالنَّصِّ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (٥: ٣٨) عَنْ إِثْبَاتِ قَطْعِ النَّبَّاشِ بِالْقِيَاسِ اسْمًا أَوْ حُكْمًا، إِذِ السَّارِقُ يَعُمُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَعُرْفِ الشَّارِعِ سَارِقَ ثِيَابِ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) (٦٦: ٢) فِي تَنَاوُلِهِ لِكُلِّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ إِلَّا بِنَصٍّ وَإِجْمَاعٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) (٥: ٨٩) فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ فَهَذَا كَفَّارَتُهَا، وَقَدْ أَدْخَلَتِ الصَّحَابَةُ فِي هَذَا النَّصِّ الْحَلِفَ بِالْتِزَامِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحَلِفِ بِأَحَبِّ الْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ إِلَى اللهِ وَهُوَ الْعِتْقُ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ سِتَّةٍ مِنْهُمْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَدْخَلَتْ فِيهِ الْحَلِفَ بِالْبَغِيضِ إِلَى اللهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ، فَالْوَاجِبُ تَحْكِيمُ هَذَا النَّصِّ الْعَامِّ وَالْعَمَلُ بِعُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ إِجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا عَلَى خِلَافِهِ، فَالْأُمَّةُ لَا تُجْمِعُ عَلَى خَطَأٍ أَلْبَتَّةَ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " فِي إِبْطَالِ كُلِّ عَقْدٍ نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ وَأَنَّهُ لَغْوٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ نِكَاحًا كَانَ أَوْ طَلَاقًا أَوْ غَيْرَهُمَا، إِلَّا أَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ إِجْمَاعًا مَعْلُومًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ مِنَ الْعُقُودِ صَحِيحٌ لَازِمٌ مُعْتَدٌّ بِهِ غَيْرُ مَرْدُودٍ، فَهِيَ لَا تُجْمِعُ عَلَى خَطَأٍ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (٦: ١١٩) مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ " فَكُلُّ مَا لَمْ يُبَيِّنِ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيمُهَا، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ فَصَّلَ لَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، فَمَا كَانَ مِنْ
هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَرَامًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ مُفَصَّلًا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبَاحَةُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ مَا عَفَا عَنْهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ ".
لَا شَيْءَ فِي الشَّرْعِ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ:
ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي بَيَانِ كَوْنِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مُوَافِقَةً لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الْمُوَافِقِ لِلْعَدْلِ وَالْعَقْلِ فَقَالَ:
(الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ شَيْءٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَأَنَّ مَا يُظَنُّ مُخَالَفَتُهُ لِلْقِيَاسِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ فِيهِ وَلَا بُدَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فَاسِدًا أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَمْ يَثْبُتْ بِالنَّصِّ كَوْنُهُ مِنَ الشَّرْعِ. وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ عَمَّا يَقَعُ فِي كَلَامِ
كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ لِمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَوْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَرُبَّمَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: طَهَارَةُ الْمَاءِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ خِلَافُ الْقِيَاسِ، وَتَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَالْفِطْرُ بِالْحِجَامَةِ وَالسَّلَمُ وَالْإِجَارَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَصِحَّةُ صَوْمِ الْآكِلِ النَّاسِي وَالْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَهَلْ ذَلِكَ صَوَابٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ. وَأَنَا أَذْكُرُ مَا حَصَّلْتُهُ مِنْ جَوَابِهِ بِخَطِّهِ وَلَفْظِهِ وَمَا فَتَحَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِي بِيُمْنِ إِرْشَادِهِ وَبَرَكَةِ تَعْلِيمِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ وَتَفْهِيمِهِ.
" إِنَّ أَصْلَ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ. وَالصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الطَّرْدِ وَالثَّانِي قِيَاسُ الْعَكْسِ، وَهُوَ مِنَ الْعَدْلِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَوْجُودَةً فِي الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ يَمْنَعُ حُكْمَهَا، وَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ قَطُّ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌّ مُؤَثِّرٌ فِي الشَّرْعِ، فَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ أَيْضًا لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ، وَحَيْثُ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِاخْتِصَاصِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِحُكْمٍ يُفَارِقُ بِهِ نَظَائِرَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِوَصْفٍ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ
بِالْحُكْمِ وَيَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ ذَلِكَ النَّوْعَ قَدْ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَقَدْ لَا يَظْهَرُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ كُلُّ أَحَدٍ. فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَإِنَّمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الَّذِي انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ. لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَحَيْثُ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَّ بِخِلَافِ قِيَاسٍ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، بِمَعْنَى أَنَّ صُورَةَ النَّصِّ امْتَازَتْ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي يَظُنُّ أَنَّهَا مِثْلُهَا بِوَصْفٍ أَوْجَبَ تَخْصِيصَ الشَّارِعِ لَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ قِيَاسًا صَحِيحًا، وَلَكِنْ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ فَسَادَهُ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
(أَقُولُ) : ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ هَذَا بَيَّنَ خَطَأَ مَنْ قَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْمَسَائِلَ جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بَيَانًا كَافِيًا شَافِيًا فِي عِدَّةِ فُصُولٍ ظَهَرَ بِهِ بُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِ فُقَهَاءِ الْقِيَاسِ وَأُصُولِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَوَائِدَ نَفِيسَةً، مِنْهَا انْعِقَادُ الْعُقُودِ بِأَيِّ لَفْظٍ عَرَّفَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا، وَأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحِدَّ لِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ حَدًّا، لَا النِّكَاحِ وَلَا غَيْرِهِ وَأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ الْقَرِينَةِ كَالصَّرِيحِ، وَمِنْهَا بَيَانُ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَبُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فُقَهَاءُ الْقِيَاسِ فِيهَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ يُسْرُ الشَّرِيعَةِ وَسَعَتُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِلْعَدْلِ وَالْعَقْلِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ بَعْدَ هَذَا مَا اسْتَشْكَلَهُ نُفَاةُ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ مِنْ تَفْرِيقِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ وَجَمْعِهَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَهَا، كَفَرْضِ الْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ الطَّاهِرِ دُونَ الْبَوْلِ النَّجِسِ وَمَا فِي حُكْمِهِ، وَكَذَا إِبْطَالُ الصِّيَامِ بِالِاسْتِمْنَاءِ، وَنَضْحُ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَغَسْلُهُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَإِيجَابُ إِعَادَةِ الصِّيَامِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى الْحُرَّةِ وَلَوْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ دُونَ الْأَمَةِ وَلَوْ شَابَّةً حَسْنَاءَ، وَقَطْعُ يَدِ سَارِقِ رُبْعِ دِينَارٍ دُونَ مُغْتَصِبِ أَلْفِ دِينَارٍ مَعَ جَعْلِ دِيَةِ الْيَدِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَفِي الْعُقُوبَاتِ، وَلَعَلَّهُ اسْتَوْفَى كُلَّ مَا بَلَغَهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْإِسْهَابِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ هَذَا
الْكِتَابِ. وَفِي جَوَابِهِ أَوْ أَجْوِبَتِهِ هَذِهِ مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ وَأَسْرَارِهَا وَبَيَانِ مُوَافَقَتِهَا لِلْعَقْلِ وَمَصَالِحِ الْبَشَرِ وَمِنْ خَطَأِ غُلَاةِ الْقِيَاسِيِّينَ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ طُلَّابِ عِلْمِ الشَّرْعِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ.
نَذْكُرُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً عَلَى سَبِيلِ النَّمُوذَجِ، وَهِيَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ: إِنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ بَيْعَ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ وَحَفْنَةٍ، وَجَوَّزَ بَيْعَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَهَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ أَطَالَ فِي رَدِّ هَذَا بِمَا بَيَّنَ بِهِ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ. فَنُلَخِّصُ ذَلِكَ بِجُمَلٍ وَجِيزَةٍ.
(الرِّبَا: مَوْضُوعُهُ وَعِلَّتُهُ وَحِكْمَتُهُ).
(١) قَالَ: " الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ، وَخَفِيٌّ. فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجَلِيِّ، فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلُ قَصْدًا وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةً..
" فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِثْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ، وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً، وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُعْدِمٌ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ، تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ، وَيُدَافِعُ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ " إِلَخْ.
(أَقُولُ) : وَهَذَا الرِّبَا الْجَاهِلِيُّ هُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ التَّشْدِيدُ وَالْوَعِيدُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّهُ هُوَ الرِّبَا الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَعَنْ
غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي رَوَى فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ أَوْ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ " كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُونَا يُحَرِّمَانِ رِبَا الْفَضْلِ، وَقِيلَ: رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ، وَجَزَمَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِرُجُوعِ الثَّانِي وَالِاخْتِلَافُ فِي رُجُوعِ الْأَوَّلِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمَا بِالرِّبَا مَا نَزَلَ فِيهِ وَعِيدُ
الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِهِ فِي سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ. وَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي هَذَا السِّيَاقِ إِلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَصْرُ الْكَمَالِ، أَيْ أَنَّ الرِّبَا التَّامَّ الْكَامِلَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ (قَالَ) : فَإِنَّ رِبَا الْفَضْلِ إِنَّمَا سُمِّيَ رِبًا تَجَوُّزًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَقْصِدِ عَلَى الْوَسِيلَةِ، وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْآتِي.
وَأَقُولُ: هُوَ مِنْ قَبِيلِ إِطْلَاقِ اسْمِ الزِّنَا عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ. وَإِنَّمَا حَرَّمَ هَذَا النَّظَرَ وَالْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ كَرِبَا الْفَضْلِ.
(قَالَ) : وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ " وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا، فَمَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، إِلَى آخَرِ مَا قَالَهُ فِي إِيضَاحِ ذَلِكَ وَهُوَ وَاضِحٌ.
(٢) بَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي سِتَّةِ أَعْيَانٍ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ، ثُمَّ قَالَ: فَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَيْ كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْقَمْحِ بِالْقَمْحِ، بِخِلَافِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، وَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ مَثَلًا، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوهُ وَتَنَازَعُوا فِيمَا عَدَاهَا، فَطَائِفَةٌ قَصَرَتِ التَّحْرِيمَ عَلَيْهَا، وَأَقْدَمُ مَنْ يَرْوِي هَذَا عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ (هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ) فِي آخِرِ مُصَنَّفَاتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ: لِأَنَّ عِلَلَ الْقِيَاسَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا ضَعِيفَةٌ، وَإِذَا لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عِلَّةٌ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ.
(٣) بَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ الْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ. فَأَمَّا الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عِلَّتَهُ كَوْنُهُ مَكِيلًا وَمَوْزُونًا فَيَجْرِي الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إِلَى أَنَّ عِلَّتَهُ كَوْنُهُ طَعَامًا، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَيَجْرِي عَلَى كُلِّ مَا يُطْعَمُ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ كَوْنُهَا قُوتَ النَّاسِ، وَعِبَارَةُ
ابْنُ الْقَيِّمِ: وَطَائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ أَرْجَحُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كَمَا سَتَرَاهُ. أَقُولُ: وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْقُوتِ
مَا يُدَّخَرُ. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَالْعِلَّةُ فِيهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الْوَزْنُ، فَيَجْرِي الرِّبَا عَلَى هَذَا فِي كُلِّ مَوْزُونٍ وَكُلِّ مَكِيلٍ مِنَ الْمَعَادِنِ كَغَيْرِهَا، وَهَذَا أَوْسَعُ الْأَقْوَالِ وَأَشَدُّهَا فِي الرِّبَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا الثَّمَنِيَّةُ؛ أَيْ كَوْنُهَا مِعْيَارَ الْأَثْمَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كُلِّهَا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَوَّلُهَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى إِسْلَامِهِمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ مِنَ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَوْ كَانَ النُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا إِلَى أَجَلٍ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا، فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ دُونَ النَّسَاءِ، وَالْعِلَّةُ إِذَا انْتُقِضَتْ مِنْ دُونِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا إِلَى آخَرِ مَا قَالَهُ.
(٤) بَنَى ابْنُ الْقَيِّمِ بَيَانَ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا عَلَى الرَّاجِحِ الْمُخْتَارِ مِنْ تَعْلِيلٍ حَصَرَهُ فِي الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ، وَلَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، بَلْ هَذَا التَّضْيِيقُ عَلَى الْعِبَادِ لَا يُعْقَلُ لَهُ حِكْمَةٌ، وَلَا هُوَ عِبَادَةٌ بِالنَّصِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي تَفْسِيرِ آيَاتِهِ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَيُرَاجَعُ هُنَاكَ وَفِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.
(٥) بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مَا حُرِّمَ لِذَاتِهِ لَا يُبَاحُ شَرْعًا إِلَّا لِلضَّرُورَةِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ، وَمَا حُرِّمَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ جَوَازَ بَيْعِ الْحِلْيَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِنُقُودٍ مِنْهُمَا تَزِيدُ عَلَى وَزْنِهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا فِيهَا مِنَ الصَّنْعَةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا الْجَوَازِ بِأَدِلَّةٍ مَنْقُولَةٍ وَمَعْقُولَةٍ أَيْضًا، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى جَوَازِ رِبَا الْفَضْلِ لِلْمُصْلِحَةِ الرَّاجِحَةِ بِإِبَاحَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَ الْعَرَايَا، وَذَكَرَ مِنْ نَظَائِرِهِ إِبَاحَةَ نَظَرِ الْخَاطِبِ وَالطَّبِيبِ وَالشَّاهِدِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ حَتَّى إِنَّ الطَّبِيبَ يَنْظُرُ كُلَّ عُضْوٍ تَتَوَقَّفُ
مُعَالَجَتُهُ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَكَذَا لَمْسُهُ وَإِبَاحَةُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِمَنْعِ الْحَكَّةِ أَوِ الْقَمْلِ، وَالْأَمْثِلَةُ وَالشَّوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.
وَالْغَرَضُ مِمَّا لَخَّصْنَاهُ هُنَا بَيَانُ فَضِيلَةِ الْمَذْهَبِ الْوَسَطِ بَيْنَ مَذْهَبَيْ نَفْيِ الْقِيَاسِ أَلْبَتَّةَ وَالتَّوَسُّعِ فِيهِ بِاسْتِنْبَاطِ الْعِلَلِ الْبَعِيدَةِ. فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ أَهْلَ قُطْرٍ لَا قُوتَ لَهُمْ
إِلَّا الرُّزُّ وَلَا نَقْدَ لَهُمْ مِنَ النُّحَاسِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُمُ الرِّبَا فِي نَقْدِهِمْ وَقُوتِهِمْ، وَهَذَا يُنَافِي حِكْمَةَ الشَّارِعِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهُوَ غُلُوٌّ فِي الْإِبَاحَةِ. وَيُقَابِلُهُ الْغُلُوُّ فِي الْحَظْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَائِلِينَ بِجَرَيَانِ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ. وَالْمَذْهَبُ الْوَسَطُ: أَنَّ الْأَجْنَاسَ السِّتَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ مِعْيَارَ الْأَثْمَانِ وَأُصُولِ الْأَقْوَاتِ لِأَكْثَرِ الْبَشَرِ، فَكَانَ رِبَا النَّسِيئَةِ فِيهَا وَهُوَ الَّذِي يَتَضَاعَفُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً مُضِرًّا بِهِمْ ضَرَرًا بَلِيغًا، فَكَانَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمُصْلِحَةِ تَحْرِيمُهُ أَشَدَّ التَّحْرِيمِ وَجَعْلُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَتَحْرِيمُ مَا كَانَ ذَرِيعَةً لَهُ تَحْرِيمَ الصَّغَائِرِ. فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ فِي نَقْدٍ آخَرَ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقُوتٍ آخَرَ غَيْرَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْبَلَحِ صَحَّ قِيَاسُهُمَا عَلَى الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ لِحُلُولِهِمَا مَحَلَّهَا، وَانْطِبَاقِ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ.
(فِإِنْ قِيلَ) : إِنَّ الْمُعْتَدِلِينَ فِي الْقِيَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ لَا يَعْتَدُّونَ إِلَّا بِالْعِلَّةِ الثَّابِتَةِ عَنِ الشَّارِعِ بِالنَّصِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (٦: ١٤٥) أَيْ خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (٧: ١٥٧) وَلَا نَصَّ عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا (قُلْنَا) : إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالنَّصِّ هُنَا مَا ثَبَتَ بِالْمَنْطُوقِ أَوِ الْمَفْهُومِ أَوِ الْقَرِينَةِ الْوَاضِحَةِ، كَفَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنِهِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَعْلُومًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِالضَّرُورَةِ أَوِ الْبَدَاهَةِ، أَوْ بِضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ كَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ كَالزَّانِي وَالسَّارِقِ. وَالْأَجْنَاسُ السِّتَّةُ الَّتِي وَرَدَ الْحَدِيثُ بِجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهَا بِالذِّكْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى فِيهَا اقْتَضَاهُ، وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا أَوْ عَبَثًا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْعُقَلَاءُ، فَكَيْفَ يَصْدُرُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ؟ ! وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى تَمْتَازُ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَعَادِنِ وَالْأَطْعِمَةِ إِلَّا كَوْنَهَا تَقُودُ النَّاسَ الَّتِي هِيَ مِعْيَارُ مُعَامَلَاتِهِمْ وَمُبَادَلَاتِهِمْ، وَأَغْذِيَتِهِمِ الرَّئِيسِيَّةِ وَأُصُولِ أَقْوَاتِهِمْ، وَأَمَّا كَوْنُهَا تُوزَنُ أَوْ تُكَالُ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِهَا الْعَامَّةِ، كَكَوْنِهَا تُنْقَلُ وَتُحْمَلُ وَتُنْظَرُ وَتُلْمَسُ
وَتُبَاعُ وَتُشْتَرَى، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَقْصُودَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا عَبَّرَ عَنِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يُحْصَرُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِعِلَّتِهِ، بَلْ كَانَ الْبَيَانُ الصَّحِيحُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يُفْهَمُ بِهِ الْمُرَادُ مِنَ التَّعْبِيرِ، كَأَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَحُكْمُهُ كَذَا، وَمَا قَرَّرْنَاهُ وَاضِحٌ جِدًّا وَإِنْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ. فَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ أَكَابِرَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا أَوْسَعَ عِلْمًا وَفَهْمًا لِلنُّصُوصِ مِنْ أُولَئِكَ الْفُقَهَاءِ بِشَهَادَةِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ قَدْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا هُوَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوُضُوحِ أَوْ أَشَدُّ. وَالْبَشَرُ عُرْضَةٌ لِلْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ، وَإِنَّ مَنْ أَنْهَضَ الْحُجَجَ عَلَى بُطْلَانِ الْتِزَامِ تَقْلِيدِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا ظَهَرَ كَالشَّمْسِ مِنْ خَطَأِ أَكَابِرِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، إِمَّا بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَإِمَّا بِتَنَكُّبِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ.
وَلَمْ أَرَ مَثَلًا لِجَعْلِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ عِلَّةً لِلرِّبَا أَظْهَرَ مِنْ جَعْلِ " الدُّخُولِ فِي جَوْفٍ " عِلَّةً
لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الصَّائِمِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا الشَّرْعُ وَلَا اللُّغَةُ وَلَا الْعَقْلُ الْمُدْرِكُ لِلْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ; وَلِذَلِكَ قَاسُوا عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِدْخَالَ الْمِسْبَارِ فِي جُرْحِ الْبَطْنِ أَوِ الرَّأْسِ. حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا خَرَجَتْ مَقْعَدَتُهُ عِنْدَ الْغَائِطِ فَأَدْخَلَهَا بِيَدِهِ أَيْ بَعْدِ الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ!.
وَبِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ زَادَتْ أَحْكَامُ الْعِبَادَاتِ وَأَنْوَاعُ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ إِكْمَالِ الدِّينِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْنَا الشَّارِعُ مِنْ سُكُوتِهِ عَنْ أَشْيَاءَ عَفَا عَنْهَا رَحْمَةً بِنَا مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ يُرِيدُ بِنَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِنَا الْعُسْرَ، وَإِنَّهُ مَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُعْنِتَنَا.
(ما حَقَّقَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِياسِ) :
بَيِّنَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ فِي كِتَابِهِ (إِرْشَادِ الْفُحُولِ إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ) الْخِلَافَ فِي الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ: هَلْ: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا أَمْ لَا؟ وَاخْتِلَافَ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ، هَلْ وَقَعَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا؟ وَاخْتِلَافَ الْقَائِلِينَ بِالْوُقُوعِ فِي شُرُوطِهِ وَدَلَائِلُهُ، هَلْ هِيَ سَمْعِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ؟ وَانْقِسَامَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ إِلَى
فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ يَقُولُ: لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَفَرِيقٌ يَسْتَدِلُّ عَلَى نَفْيِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِ الْعِتْرَةِ وَبِالْعَقْلِ. ثُمَّ قَالَ: " وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ مِنَ الْقِيَاسِ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ وَنَقْلِيَّةٍ وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ; فَالْقِيَامُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ يَكْفِيهِمْ، وَإِيرَادُ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ، وَقَدْ جَاءُوا بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ فَلَا نَطُولُ بِذِكْرِهَا، وَجَاءُوا بِأَدِلَّةٍ نَقْلِيَّةٍ فَقَالُوا: دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ".
ثُمَّ أَوْرَدَ مَا قَالُوهُ وَبَحَثَ فِيهِ الْإِمَامُ النِّحْرِيرُ مُلْتَزِمًا قَوَاعِدَ الْأُصُولِ وَآدَابَ الْمُنَاظَرَةِ، فَنُلَخِّصُ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي مُبْتَدِئِينَ بِأَدِلَّتِهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ.
اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْقِيَاسِ:
(الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (٥٩: ٢) وَقَدْ نَقَلَ عَنِ الْمَحْصُولِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ رَدَّ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ مِنْ وُجُوهٍ، وَبَحَثَ فِيمَا اخْتَارَهُ مِنْ كَوْنِ الِاعْتِبَارِ حَقِيقَةً فِي الْمُجَاوَزَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَى كَوْنِ الْآيَةِ غَيْرَ حُجَّةٍ لِلْقِيَاسِيِّينِ فَقَالَ: " وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا بِمُطَابَقَةٍ وَلَا تُضَمُّنٍ وَلَا الْتِزَامٍ، وَمَنْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فَقَدْ شَغَلَ الْحَيِّزَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ".
(الدَّلِيلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٥: ٩٥)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (٢: ١٤٤) وَهَذَانِ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ غَايَةَ مَا فِي آيَةِ الْجَزَاءِ هِيَ الْمَجِيءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ وَكَوْنِهِ مَثَلًا لَهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعَدْلَيْنِ وَمُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِهِمَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِيجَابُ تَحَرِّي الصَّوَابِ فِي أَمْرِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ.
(الدَّلِيلُ الرَّابِعُ) : مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٤: ٨٣) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: قَالُوا:
أُولُو الْأَمْرِ هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْقِيَاسُ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الدَّلِيلِ مِنَ الْمَدْلُولِ بِالنَّظَرِ فِيمَا يُفِيدُهُ مِنَ الْعُمُومِ أَوِ الْخُصُوصِ أَوِ الْإِطْلَاقِ أَوِ التَّقْيِيدِ أَوِ الْإِجْمَالِ أَوِ التَّبْيِينِ فِي نَفْسِ النُّصُوصِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى اسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنْهُ. وَلَوْ سَلَّمْنَا انْدِرَاجَ الْقِيَاسِ تَحْتَ مُسَمَّى الِاسْتِنْبَاطِ لَكَانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالْقِيَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى عِلَّتِهِ وَقِيَاسِ الْفَحْوَى وَنَحْوَهُ، لَا بِمَا كَانَ مُلْحَقًا بِمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مَحْضُ رَأْيٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الشَّرْعِ بِمَا أَذِنَ اللهُ بِهِ، بَلْ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ بِمَا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ لَيْسُوا هُمْ عُلَمَاءَ الْفِقْهِ الْمَعْرُوفِ وَأُصُولِهِ، بَلْ هُمْ أُولُو الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْأُمَّةِ. فَرَاجِعْهُ فِي مَحَلِّهِ.
(الدَّلِيلُ الْخَامِسُ) : مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) (٢: ٢٦) قَالَ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَمَا جَازَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَخْلُو مِنَ الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ أَجْوَزُ. وَاعْتَمَدَ الشَّوْكَانِيُّ فِي رَدِّ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قَلْبَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِبَيَانِ أَنَّ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَكُلُّ مَا يَضْرِبُهُ مِنْ مَثَلٍ وَمَا يُثْبِتُهُ مِنْ تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَأَمَّا مَنْ لَا يَخْلُو مِنَ النَّقْصِ وَالْجَهْلِ فَلَا نَقْطَعُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا نَظُنُّهُ لِمَا فِي فَاعِلِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ.
وَأَقُولُ: إِنَّ تَقْرِيرَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ هَفْوَةٌ مِنْ أَكْبَرِ الْهَفَوَاتِ، بَلْ سَقْطَةٌ مَنْ أَقْبَحِ السَّقَطَاتِ، فَإِنَّهُ عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ عِبَارَةٌ عَنْ قِيَاسِ الْعَبْدِ عَلَى الرَّبِّ، وَجَعْلِهِ أَحَقَّ بِالتَّشْرِيعِ وَأَجْدَرَ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ أَمْثَالِ الْقُرْآنِ مِنْ سِيَاقِهِ الَّذِي اخْتَصَرْنَاهُ، فَيُرَاجَعُ فِي كِتَابِهِ.
(الدَّلِيلُ السَّادِسُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِحْيَاءَ الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) (٣٦: ٧٩)
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَا بِمُطَابَقَةٍ وَلَا تَضَمُّنٍ وَلَا الْتِزَامٍ، وَغَايَةُ مَا فِيهَا الِاسْتِدْلَالُ
بِالْأَثَرِ السَّابِقِ عَلَى الْأَثَرِ اللَّاحِقِ وَكَونُ الْمُؤَثِّرِ فِيهِمَا وَاحِدًا، وَذَلِكَ غَيْرُ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ إِدْرَاجُ فَرْعٍ تَحْتَ أَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا.
(الدَّلِيلُ السَّابِعُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (١٦: ٩٠) وَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (قَالَ) : وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ، وَالْقِيَاسَ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَثَلَيْنِ فِي الْحُكْمِ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْآيَةِ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ كَوْنِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْفَارِقِ فِيهَا، لَا فِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي هِيَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الرَّأْيِ، وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّنُونِ الزَّائِفَةِ، وَخَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْخَيَالَاتِ الْمُخْتَلَّةِ اهـ.
أَقُولُ: أَخْطَأَ الشَّوْكَانِيُّ هَهُنَا وَأَصَابَ - أَصَابَ فِيمَا رَمَى إِلَيْهِ مَنْ كَوْنِ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ مَا يُوزَنُ فِي حُكْمِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكُلَّ مَا يُكَالُ فِي حُكْمِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ، وَيَجْعَلُ مُسْبِرَ الْجِرَاحِ مُفْطِرًا لِلصَّائِمِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَخْطَأَ مُرَادُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْقِيَاسِ وَالْعَدْلِ إِذْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا كَتَبَهُ هُوَ ثُمَّ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَيْنُ مَا سَلَّمَ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَيْهِ، وَسَنَعُودُ إِلَى ذِكْرِ مَذْهَبِهِمَا فِيهِ.
الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ:
ثُمَّ أَوْرَدَ الشَّوْكَانِيُّ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى حُجَّةِ الْقِيَاسِ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَدَأَ الْكَلَامَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ، إِذْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ: " أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو " فِي الْقَضَاءِ بِمَا لَا يَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَضْعِيفُ ابْنِ حَزْمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: إِنَّ الْكَلَامَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ يَطُولُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِمَّا تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ وَعَنْ سَائِرِ أَدِلَّتِهِمْ بَعْدَ تَلْخِيصِهَا بِمَا نَصَّهُ:
" وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ فِي الطَّلَبِ لِلْحُكْمِ مِنَ النُّصُوصِ الْخَفِيَّةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: " أَجْتَهِدُ رَأْيِي " بَعْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْخَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا الرَّدِّ بِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَفْهُومٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا بُدَّ
مِنْ حَمْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الرَّأْيِ عَلَى مَا عَدَا
الْقِيَاسَ، فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ حَجَّةً لِإِثْبَاتِهِ، وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ كَمَا يَكُونُ بِاسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَكُونُ بِالتَّمَسُّكِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ بِأَصَالَةِ الْإِبَاحَةِ فِي الْأَشْيَاءِ أَوِ الْحَظْرِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ، أَوِ التَّمَسُّكِ بِالْمَصَالِحِ أَوِ التَّمَسُّكِ بِالِاحْتِيَاطِ.
" وَعَلَى تَسْلِيمِ دُخُولِ الْقِيَاسِ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ قِيَاسٍ، بَلِ الْمُرَادُ الْقِيَاسَاتُ الَّتِي يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهَا وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا، كَالْقِيَاسِ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ، وَالْقِيَاسُ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِتِلْكَ الْقِيَاسَاتِ لَا الْقِيَاسَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَسَالِكِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مُجَرَّدُ الْخَيَالَاتِ الْمُخْتَلَّةِ وَالشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ. وَأَيْضًا فَعَلَى التَّسْلِيمِ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَيَّامِ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ إِذْ ذَاكَ لَمْ تَكْمُلْ فَيُمْكِنُ عَدَمُ وِجْدَانِ الدَّلِيلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَ أَيَّامِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ كَمُلَ الشَّرْعُ لِقَوْلِهِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وَلَا مَعْنًى لِلْإِكْمَالِ إِلَّا وَفَاءُ النُّصُوصِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّرْعِ إِمَّا بِالنَّصِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ أَوْ بِانْدِرَاجِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الشَّامِلَةِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (٦: ٣٨) وَقَوْلُهُ: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (٦: ٥٩).
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقِيَاسَاتِ كَقَوْلِهِ: " أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى " وَقَوْلُهُ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ فَقَالَ: " أَيَقْضِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ " وَقَالَ لِمَنْ أَنْكَرَ وَلَدَهُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ أَسْوَدَ: " هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزْعَةُ عِرْقٍ، قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزْعَةُ عِرْقٍ " وَقَالَ لِعُمَرَ وَقَدْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ: " أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ " وَقَالَ: " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ " وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قِيَاسَاتٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى صَنَّفَ النَّاصِحُ الْحَنْبَلِيُّ جُزْءًا فِي أَقْيِسَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
" وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْيِسَةَ صَادِرَةٌ عَنِ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ الَّذِي يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِيمَا جَاءَنَا بِهِ عَنْهُ: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (٥٣: ٤) وَيَقُولُ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ:
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (٥٩: ٧) وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ إِنَّمَا هُوَ قِيَاسُ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْعِصْمَةُ وَلَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَلَا كَانَ كَلَامُهُ وَحْيًا بَلْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ وَبِعَقْلِهِ الْمَغْلُوبِ بِالْخَطَأِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْقِيَاسَاتِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ) :
" وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: وَقَدْ بَلَغَ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِجَمَاهِيرِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُولِ: مَسْلَكُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اشْتِهَارُ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِلَّا عِنْدَ شُذُوذِ مُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى الْأَدِلَّةِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ ثُبُوتِ هَذَا الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِذَلِكَ إِنَّمَا جَاءُونَا بِرِوَايَاتٍ عَنْ أَفْرَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَحْصُورِينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا لِجَمِيعِهِمْ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَقْطَارِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَرَدِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ لِمَا قَالَهُ الْبَعْضُ كَمَا ذَلِكَ مَعْرُوفٌ؟.
" وَبَيَانُهُ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةٍ لِأُمٍّ وَإِخْوَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ، وَهَكَذَا وَقَعَ الْإِنْكَارُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ، وَالْقِيَاسُ إِنْ كَانَ مِنْهُ فَظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَقَدْ أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقِيَاسَاتِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَى عِلَّتِهَا وَالَّتِي قَطَعَ فِيهَا بِنَفْيِ الْفَارِقِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ كَثِيرٌ
مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَثْبَتُوهُ بِمَسَالِكَ تَتَقَطَّعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، وَتُسَافِرُ فِيهَا الْأَذْهَانُ حَتَّى تَبْلُغَ إِلَى مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَتَتَغَلْغَلَ فِيهَا الْعُقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ بِمَا لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ فِي وُرُودٍ وَلَا صَدْرٍ، وَلَا مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ فِي قُبَيْلٍ وَلَا دُبَيْرٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا " وَجَاءَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَبِمَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى وَيُصَحِّحُ دَلَالَتَهُ وَيُؤَيِّدُ بَرَاهِينَهُ.
(الْقِياسُ الصَّحِيحُ).
وَإِذَا عَرَفْتَ مَا حَرَّرْنَا، وَتَقَرَّرَ لَدَيْكَ جَمِيعُ مَا قَرَّرْنَا، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَأْخُوذَ بِهِ هُوَ مَا وَقَعَ النَّصُّ عَلَى عِلَّتِهِ وَمَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ فَحْوَى الْخِطَابِ أَوْ لَحْنِ الْخِطَابِ عَلَى اصْطِلَاحِ مَنْ يُسَمِّي ذَلِكَ قِيَاسًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ لَمْ يَقُولُوا بِإِهْدَارِ كُلِّ مَا يُسَمَّى قِيَاسًا وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ أَوْ مَقْطُوعًا فِيهِ بِنَفِيِ الْفَارِقِ، بَلْ جَعَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقِيَاسِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ مَشْمُولًا بِهِ مُنْدَرِجًا تَحْتَهُ، وَبِهَذَا يَهُونُ عَلَيْكَ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ عِنْدَكَ مَا اسْتَعْظَمُوهُ، وَيَقْرُبُ لَدَيْكَ مَا بَعَّدُوهُ; لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَاصِّ صَارَ لَفْظِيًّا، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَاخْتِلَافُ طَرِيقَةِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ الْمَعْنَوِيَّ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، وَقَدْ قَدَّمَنَا لَكَ أَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تَسْتَحِقُّ تَطْوِيلَ ذُيُولِ الْبَحْثِ بِذِكْرِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ أَنْهَضَ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ؛ فَإِنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِخْبَارِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهَا دِينَهَا، وَبِمَا أَخْبَرَهَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا عَلَى الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا.
ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ صَحِيحٍ وَفَهْمٍ صَالِحٍ أَنَّ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُطْلَقَاتِهِمَا وَخُصُوصِ نُصُوصِهِمَا مَا يَفِي بِكُلِّ حَادِثَةٍ تَحْدُثُ، وَيَقُومُ بِبَيَانِ كُلِّ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ، عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى النَّصِّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ مَا نَصُّهُ:
" وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِالْعِلَّةِ إِذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلِ الْأَخْذُ بِهَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ أَمْ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي النَّافُونَ لِلْقِيَاسِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ عَلَى هَذَا لَفْظِيًّا. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَهُونُ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ مَا اسْتَعْظَمَ مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنَّ لَفْظَ التَّعْلِيلِ إِذَا لَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ عَنْ كُلِّ مَا تَجْرِي الْعِلَّةُ فِيهِ كَانَ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُسْتَدِلًّا بِلَفْظٍ قَاضٍ بِالْعُمُومِ " اهـ.
أَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَعُدُّ كُلَّ تَعْلِيلٍ فِي النُّصُوصِ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ، فَيَجْرِي كُلُّ مَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ مَجْرَى أَفْرَادِ الْعَامِّ فِي حُكْمِهِ، فَالْخِلَافُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الَّذِينَ يَنُوطُونَ الْأَحْكَامَ بِالْعِلَلِ الْمَنْصُوصَةِ حَقِيقِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ، سَوَاءٌ كَانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ عَمَلًا بِالنَّصِّ أَوْ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ
اللَّفْظِيُّ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ عَلَى تَحْكِيمِ الْعِلَلِ الْمَنْصُوصَةِ. وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ إِنَّمَا يُوَافِقَانِ الْجُمْهُورَ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَرَيَانِ أَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ كَلِمَتَيِ الْعَدْلِ وَالْمِيزَانِ وَهَذَا حَقٌّ، وَمِنْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ قَدِ اسْتَوْفَتْهَا النُّصُوصُ وَبَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، فَلَا وَجْهَ لِلزِّيَادَةِ فِيهَا أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَلَا لِإِيقَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ قَالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَعَبَّدُوهَا " وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا زَادَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ بِالْقِيَاسِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرَ لِشَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةً قَيِّمَةً وَلَا قِيَاسًا صَحِيحًا.
(بَحْثٌ فِي الْتِزَامِ النُّصُوصِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فِي الْمُعَامَلَاتِ).
تَمْهِيدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ:
كَانَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ أَشَدِّ عُلَمَاءِ السَّلَفِ تَشْدِيدًا فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَتَدْقِيقًا فِي إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِي الدِّينِ، حَتَّى إِنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
مَهْدِيٍّ - وَنَاهِيكَ بِعِلْمِهِ وَهَدْيِهِ - وَضْعَ رِدَائِهِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَرِّ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَأَنْكَرَ عَلَى مَنِ اسْتَشَارَهُ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ قَبْرِهِ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمْرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَلَمَّا أَلَحَّ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ: " لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ " فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟ إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا. قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ قَدْ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٢٤: ٦٣) وَمِنْ أَجَلِّ كَلَامِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الدِّينَ وَفِي رِوَايَةٍ: الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا لَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا اهـ.
نَقَلَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ (ص: ١٦٧ ج١ و١٩٨ ج٢) وَقَالَ فِي ص: ٣١٠ مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ: وَلِذَلِكَ الْتَزَمَ مَالِكٌ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي وَإِنْ ظَهَرَتْ لِبَادِيَ الرَّأْيِ، وُقُوفًا مَعَ مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ فِي إِزَالَةِ الْأَخْبَاثِ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُطْلَقِ النَّظَافَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا غَيْرُهُ حَتَّى اشْتَرَطَ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُ الْمَاءِ مَقَامَهُ عِنْدَهُ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ حَتَّى يَكُونَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ التَّكْبِيرِ
وَالتَّسْلِيمِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِجْزَاءِ وَمُنِعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْكَفَّارَاتِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
" وَدَوَرَانُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ دُونَ مَا يَقْتَضِيهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ أَنْ تَصَوَّرَ لِقِلَّةِ ذَلِكَ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنُدُوِرِهِ، بِخِلَافِ قِسْمِ الْعَادَاتِ الَّذِي هُوَ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الظَّاهِرِ لِلْعُقُولِ. فَإِنَّهُ اسْتَرْسَلَ فِيهِ اسْتِرْسَالَ الْمُدِلِّ الْعَرِيقِ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي الْمَصْلَحِيَّةِ، نَعَمْ مَعَ مُرَاعَاةِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ أَلَّا يَخْرُجَ عَنْهُ، وَلَا يُنَاقِضَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ اهـ.
(أَقُولُ) : إِنَّ الْعَلَّامَةَ الشَّاطِبِيَّ قَدْ حَرَّرَ بَحْثَ الْبِدَعِ وَأَطَالَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا وَالْحَثِّ عَلَى الْتِزَامِ السُّنَّةِ فِي كِتَابِهِ (الِاعْتِصَامِ) بِمَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَى مِثْلِهِ - بِحَسَبِ عِلْمِهِ وَعِلْمِنَا - سَابِقٌ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُنَا لَاحِقٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْبِدَعِ وَبَيْنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ تَفْرِقَةً وَاضِحَةً بَيِّنَةً، وَأَثْبَتَ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ بِهَا عَلَى تَشَدُّدِهِ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي مُقَاوَمَةِ الْبِدَعِ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيهِ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُبْغِضُ مَالِكًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: إِذَا رَأَيْتَ الْحِجَازِيَّ يُحِبُّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ.
الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ. وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ صَحِيحًا عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ جَعَلَ الْقَوْلَ بِهَا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ لِلْقِيَاسِ، فَأَدْخَلُوهَا فِيمَا يُسَمُّونَهُ الْمُنَاسَبَةَ أَوِ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ. وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِدْلَالِ لَا مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، فَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ بِهَا، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُونَ فِي اسْمِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لِمَالِكٍ تَرْجِيحًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَيَلِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلَا يَكَادُ يَخْلُو غَيْرُهُمَا عَنِ اعْتِبَارِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ لِهَذَيْنِ تَرْجِيحًا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَهَا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ; لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ بِالْمُنَاسَبَةِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِشَرْطِ الْمُلَاءَمَةِ لِلْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْأُصُولِ.
وَقَدْ قَسَّمَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ الْمُنَاسِبَ إِلَى مَا عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ، وَمَا عُلِمَ إِلْغَاؤُهُ لَهُ، وَمَا لَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ وَلَا إِلْغَاؤُهُ لَهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ بِالِاعْتِبَارِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ، فَيُعَدُّ مِنْ وَسَائِلِهَا وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِالْمَصَالِحِ
الْمُرْسَلَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي إِرْشَادِ الْفُحُولِ، وَقَالَ: وَقَدِ اشْتُهِرَ انْفِرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْقَوْلِ بِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ. وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ اهـ.
مَا حَرَّرَهُ الطُّوفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ:
(أَقُولُ) : لَمْ أَرَ فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمَشَارِقَةِ مَنْ أَطْنَبَ فِي بَحْثِ الْمَصَالِحِ مِثْلَ الْإِمَامِ نَجْمِ الدِّينِ الطُّوفِيِّ الْحَنْبَلِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٧١٦ وَلَا فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمَغَارِبَةِ مِثْلَ الْعَلَّامَةِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ الشَّاطِبِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٠.
أَمَّا الطُّوفِيُّ فَإِنَّهُ وَفَّى الْمَوْضُوعَ حَقَّهُ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنَ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ " (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدًا وَمَالِكٌ مُرْسَلًا وَحَسَّنُوهُ) وَقَدْ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ يَقْتَضِي رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَالْمَفَاسِدِ نَفْيًا. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعِدَّةِ أَدِلَّةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَفْصِيلِيَّةٍ وَإِجْمَالِيَّةٍ، وَبِإِجْمَاعٍ مَا عَدَا الْجَامِدِينَ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ، وَجَعَلَ مَدَارَ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَدَعَّمَ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا حَتَّى جَعَلَ رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ مُقَدَّمَةً عَلَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَقَالَ: وَإِنْ خَالَفَهَا وَجَبَ تَقْدِيمُ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ وَالْبَيَانِ لَهُمَا، لَا بِطْرِيقِ الِافْتِئَاتِ عَلَيْهِمَا وَالتَّعْطِيلِ لَهُمَا.
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الطُّوفِيُّ فِي رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ هُوَ أَدَقُّ وَأَوْسَعُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَأَدِلَّتُهُ أَقْوَى، وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِذَلِكَ فَقَالَ:
" وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا مُسْتَفِيدِينَ لَهَا مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لَيْسَتْ هِيَ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، بَلْ هِيَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ التَّعْوِيلُ عَلَى النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَبَاقِي الْأَحْكَامِ " اهـ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ بَيَانِ ذَلِكَ:
" وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْمَصْلَحَةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا، دُونَ الْعِبَادَاتِ وَشَبَهِهَا; لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ حَقٌّ لِلشَّارِعِ خَاصٌّ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِّهِ كَمًّا وَكَيْفًا وَزَمَانًا وَمَكَانًا إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيَأْتِي بِهِ الْعَبْدُ عَلَى مَا رَسَمَ لَهُ، وَلِأَنَّ غُلَامَ أَحَدِنَا لَا يُعَدُّ مُطِيعًا خَادِمًا لَهُ إِلَّا إِذَا امْتَثَلَ مَا رَسَمَ سَيِّدُهُ وَفَعَلَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرْضِيهِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا، وَلِهَذَا لَمَّا تَعَبَّدَتِ الْفَلَاسِفَةُ بِعُقُولِهِمْ وَرَفَضُوا
الشَّرَائِعَ أَسْخَطُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. وَهَذَا
بِخِلَافِ حُقُوقِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَهَا سِيَاسِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وُضِعَتْ لِمَصَالِحِهِمْ، وَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةَ وَعَلَى تَحْصِيلِهَا الْمُعَوَّلُ.
" وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الشَّرْعَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِهِمْ فَلْتُؤْخَذْ مِنْ أَدِلَّتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَهِيَ أَقْوَاهَا وَأَخَصُّهَا فَلْنُقَدِّمْهَا فِي تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ.
" ثُمَّ إِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَخْفَى مَصَالِحُهَا عَنْ مَجَارِي الْعُقُولِ وَالْعَادَاتِ. وَأَمَّا مَصْلَحَةُ سِيَاسَةِ الْمُكَلَّفِينَ فِي حُقُوقِهِمْ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ لَهُمْ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالْعَقْلِ. فَإِذَا رَأَيْنَا الشَّرْعَ مُتَقَاعِدًا عَنْ إِفَادَتِهَا عَلِمْنَا أَنَّا أَحَلْنَا فِي تَحْصِيلِهَا عَلَى رِعَايَتِهَا " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا. وَمَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَى سِيَاقِهِ بِرُمَّتِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى الْمُجَلَّدِ التَّاسِعِ مِنَ الْمَنَارِ (ص ٧٤٥ - ٧٧٠).
مَا حَرَّرَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ:
وَأَمَّا الشَّاطِبِيُّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْبَابَ الثَّامِنَ مِنْ كِتَابِهِ الِاعْتِصَامِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ؛ فَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قِيَاسٍ صَحِيحٍ أَوْ إِلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ فَقَدْ وَافَقَ الشَّاطِبِيُّ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى عَدِّهَا مِمَّا يُسَمُّونَهُ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ، وَوَضَّحَهَا بِعَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ مِنْهَا:
(١) اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى كِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي الصُّحُفِ الَّتِي سُمِّيَ مَجْمُوعُهَا الْمُصْحَفَ.
(٢) اتِّفَاقُهُمْ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، كَذَا قَالَ.
(٣) قَضَاءُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) فِي ذَلِكَ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا ذَاكَ.
(٤) مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الضَّرْبِ فِي التُّهَمِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنَ السِّجْنِ فِي التُّهَمِ، مَعَ أَنَّ السِّجْنَ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ.
(٥) مَا قَرَّرَهُ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ جَوَازِ وَضْعِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ ضَرَائِبَ وَإِعَانَاتٍ مُؤَقَّتَةً عِنْدَ الضَّرُورَةِ ; لِتَكْثِيرِ الْجُنُودِ لِسَدِّ الثُّغُورِ وَحِمَايَةِ الْمَلِكِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَفِي بِذَلِكَ.
(٦) اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِقَابِ عَلَى بَعْضِ الْجِنَايَاتِ بِأَخْذِ الْمَالِ.
(٧) الزِّيَادَةُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ إِذَا تَوَالَتْ ضَرُورَةُ الْأَكْلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ كَالْمَيْتَةِ فِي الْمَجَاعَاتِ، أَوْ عَمَّ الْحَرَامُ بَلَدًا أَوْ قُطْرًا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ، فَحِينَئِذٍ لَا يُنْظَرُ إِلَى أَصْلِ الْمَالِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ حَلَالًا. هَذَا مُلَخَّصُ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ، وَعَزَى الْقَوْلَ بِهِ إِلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَأَحَالَ فِي بَسْطِهِ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ; أَيْ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْهُ.
(٨) قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، قَالَ: وَالْمُسْتَنَدُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ; إِذْ لَا نَصَّ عَلَى عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
(٩) إِقَامَةُ إِمَامٍ لِلْمُسْلِمِينَ (خَلِيفَةٍ) غَيْرِ مُجْتَهِدٍ فِي الشَّرْعِ إِذَا فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ. قَالَ: " إِنَّ الْعُلَمَاءَ نَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْكُبْرَى لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا لِمَنْ نَالَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى فِي عُلُومِ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَيْضًا أَوْ كَادُوا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ رُقِّيَ فِي رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ. وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ إِذَا فُرِضَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ يَظْهَرُ بَيْنَ النَّاسِ وَافْتَقَرُوا إِلَى إِمَامٍ يُقَدِّمُونَهُ; لِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ وَتَسْكِينِ ثَوْرَةِ الثَّائِرِينَ وَالْحِيَاطَةِ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْأَمْثَلِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَتَّجِهُ إِلَّا عَلَى فَرْضِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا بَحْثٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ هُوَ لَا يَتَّسِعُ لِتَحْقِيقِ مَسْأَلَةِ الْمِثَالِ الْمَفْرُوضَةِ أَيْضًا.
(١٠) بَيْعَةُ مَنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ ابْتِدَاءً أَوِ اسْتَدَامَتُهَا بَعْدَ وُجُودِ الْكُفْءِ لَهَا كَالْقُرَشِيِّ الْمُجْتَهِدِ... إِلَخْ; خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ وَتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ مُبَايَعَةَ ابْنِ عُمَرَ لِيَزِيدَ وَلِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى كَوْنِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، وَأَخْذَهُمَا الْمُلْكَ بِالسَّيْفِ لَا بِاخْتِيَارِ الْأُمَّةِ، وَنَهْيَ مَالِكٍ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبْحَاثٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ; فَلَا تُؤْخَذُ عَلَى إِطْلَاقِهَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُحَارِبِينَ (الْبُغَاةِ) قَوْلٌ وَجِيزٌ فِيهَا،
وَإِشَارَةٌ إِلَى بَعْضِ مَسَائِلِهَا; مِنْهُ أَنَّ تَحْرِيرَهَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمُصَنَّفٍ خَاصٍّ، وَمِنْهُ أَنَّ الرَّأْيَ الْغَالِبَ عَلَى الْأُمَمِ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الْمُلُوكِ الْمُسْتَبِدِّينَ الْجَائِرِينَ ; كَمَا فَعَلَتِ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ إِذْ كَوَّنَتْ قُوَّةً خَرَجَتْ بِهَا عَلَى سُلْطَانِهَا عَبْدِ الْحَمِيدِ فَسَلَبَتِ السُّلْطَةَ مِنْهُ، وَخَلَعَتْهُ بِفَتْوَى مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.
وَمَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الشَّاطِبِيُّ لِمَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ بَعْضَهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أَوِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، وَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ فِي مُصْحَفٍ يَجْمَعُهُ كُلَّهُ، فَإِنَّ تَسْمِيَةَ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ كِتَابًا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ كِتَابَتِهِ، وَاتِّخَاذُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُتَّابَ لَهُ يَكْتُبُونَ بِأَمْرِهِ كُلَّ مَا نَزَلَ فِي وَقْتِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَسَبَبُ عَدَمِ جَمْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي الْمُصْحَفِ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِطَالَةِ الْفِكْرَةِ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْمَزِيدِ فِي كُلِّ سُورَةٍ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَحَدٌ وَلَا أَنْ يَجِدَ شُبْهَةً
عَلَى كَوْنِ كِتَابَتِهِ فِي صُحُفٍ مُتَفَرِّقَةٍ هُوَ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ، وَإِنَّمَا تَلَبَّثَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْأَمْرِ أَوَّلًا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الرَّوِيَّةِ فِي الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ، وَنَاهِيكَ بِأَوَائِلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَعْرِضُ عَلَى أَصْحَابِ الْمَنَاصِبِ الْعُلْيَا فِي مَنَاصِبِهِمْ. وَمِنَ الثَّانِي حَدُّ السُّكْرِ، قِيلَ: إِنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى الْقَذْفِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَعْزِيرٌ لَا يَجِبُ الْتِزَامُ الْعَدَدِ فِيهِ.
وَالْحَقُّ الْجَلِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَسَائِلَ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى الْحُكَّامِ مِنْ قَضَائِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَحَرْبِيَّةٍ تَرْجِعُ كُلُّهَا إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَهُ حَدِيثُ: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ " بِالتَّبَعِ لِآيَاتِ رَفْعِ الْمَضَارَّةِ فِي الْإِرْثِ وَالزَّوْجِيَّةِ أَيْ رَفْعُ الضَّرَرِ الْفَرْدِيِّ وَالْمُشْتَرِكِ، وَمِنْهُ أُخِذَتْ قَاعِدَةُ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَحِفْظِ الْمَصَالِحِ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا عُلِمَ مِنْ نُصُوصِ الشَّارِعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا فِي أَعْمَالِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَالِيَّةِ وَالْإِدَارِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، عَلَى أَنَّ جَمَاهِيرَ الْفُقَهَاءِ يُصَرِّحُونَ دَائِمًا بِإِرْجَاعِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، فَقَوَاعِدُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ أَكْثَرُهَا يَدُورُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
إِنَّمَا فَرَّ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنْ تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ تَقْرِيرًا صَرِيحًا مَعَ اعْتِبَارِهِمْ كُلِّهِمْ لَهُ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ خَوْفًا مِنِ اتِّخَاذِ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ إِيَّاهُ حُجَّةً لِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَإِرْضَاءِ اسْتِبْدَادِهِمْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَدِمَائِهِمْ، فَرَأَوْا أَنْ يَتَّقُوا ذَلِكَ بِإِرْجَاعِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ
إِلَى النُّصُوصِ وَلَوْ بِضَرْبٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الْخَفِيَّةِ، فَجَعَلُوا مَسْأَلَةَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مِنْ أَدَقِّ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ وَلِمَ يَنُوطُوهَا بِاجْتِهَادِ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ. وَهَذَا الْخَوْفُ فِي مَحَلِّهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقِ الْأُمَّةَ مِنْ أَهْوَاءِ الْحُكَّامِ كَمَا يَنْبَغِي، إِذْ كَانَ يُوجَدُ فِي عَهْدِ كُلِّ ظَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ مَنْ يُمَهِّدُ لَهُ الطَّرِيقَ وَلَوْ لِبَعْضِ مَا يُرِيدُ مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى.
وَالطَّرِيقَةُ الْمُثْلَى لِحِفْظِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ مِيزَانِ الْعَدْلِ: هِيَ رَفْعُ قَوَاعِدِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَسَاسِ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (٤٢: ٣٨) وَقَوْلِهِ: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤: ٥٩) كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَا بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْمَصَالِحِ وَلَا بِالتَّضْيِيقِ فِي تَفْرِيعِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا. فَإِذَا نِيطَ ذَلِكَ بِأُولِي الْأَمْرِ أَيْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ الْإِمَامَ (الْخَلِيفَةَ) وَيَكُونُونَ أَهْلَ الشُّورَى لَهُ وَيَكُونُ هُوَ مُقَيَّدًا بِمَا يُقَرِّرُونَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُخْشَى مِنْ جَعْلِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ ذَرِيعَةً لِلْمَفَاسِدِ مَا يُخْشَى مِنْهُ فِي حَالِ إِقْرَارِ كُلِّ مُتَغَلِّبٍ عَلَى الْحُكْمِ مَعَ التَّضْيِيقِ فِي مَسَالِكِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ، الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ. وَإِنَّمَا مَثَارُ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا أَنْ يُوَسَّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ. وَأَنْ يُقَرَّ عَلَى الْمُلْكِ كُلُّ مُتَغَلِّبٍ، وَيَرْضَى بِتَقْلِيدِهِ كُلُّ جَائِرٍ جَاهِلٍ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَضَاعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ.
نَتِيجَةُ مَا تَقَدَّمَ.
عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الدِّينِيَّةَ الْمَحْضَةَ، وَهِيَ: الْعَقَائِدُ وَالْعِبَادَاتُ وَالْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ الدِّينِيَّانِ، تُؤْخَذُ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَبَيَانُ السُّنَّةِ لَهَا بِالْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي مُخَالَفَتِهِ. وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يُنْظَرُ فِي دَلَائِلِهِ، وَيُرَجَّحُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَقْسَامِ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِ إِلَى الشُّذُوذِ، وَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِحْدَاثُ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ أَوِ الْإِتْيَانُ بِعِبَادَةٍ مَأْثُورَةٍ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِدَعْوَى إِجْمَاعٍ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا لِمَصْلَحَةٍ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِلَلِ وَالنَّظَرِيَّاتِ; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ الدِّينَ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ بِكِتَابِهِ وَبَيَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَهَانَا عَنِ السُّؤَالِ الْمُقْتَضِي لِزِيَادَةِ
التَّكَالِيفِ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ مُرَاغِمًا لِنَصِّ الْقُرْآنِ أَوْ طَاعِنًا فِي بَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ زَاعِمًا أَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ عِلْمًا وَعَمَلًا بِالدِّينِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ، مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَسِيَاسَةٍ وَقَضَاءٍ وَآدَابٍ فَهِيَ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: مَا فِيهِ نَصٌّ مُحْكَمٌ قَطْعِيُّ الرِّوَايَةِ وَالدَّلَالَةِ لُغَةً، وَارِدٌ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ مِنَ النُّصُوصِ الْخَاصَّةِ بِمَوْضُوعِهِ أَوِ الْعَامَّةِ كَنَفْيِ الْحَرَجِ وَنَفْيِ الضَّرَرِ وَالضِّرَارِ، وَكَوْنِ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (٦: ١١٩) وَكَوْنِهَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَتَزُولُ بِزَوَالِ مُقْتَضِيهَا.
الثَّانِي: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَصٌّ صَحِيحٌ بِعُمُومِهِ أَوْ تَعْلِيلِهِ أَوْ مَفْهُومِهِ دَلَالَةً وَاضِحَةً أَجْمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَوْ عَمِلَ بِهَا جُمْهُورُهُمْ، وَعُرِفَ شُذُوذُ مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ، فَالْوَاجِبُ فِي هَذَا عَيْنُ الْوَاجِبِ فِيمَا قَبْلَهُ بِشَرْطِهِ عِنْدَ مَنْ عَرَفَهُ.
الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ تَكْلِيفِيٌّ غَيْرُ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ، أَوْ حَدِيثٌ غَيْرُ وَاهٍ وَلَا صَحِيحٍ، فَاخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفِقْهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ رِوَايَتِهِ أَوْ صَرَاحَةِ دَلَالَتِهِ. فَمِثْلُ هَذَا يَعْمَلُ فِيهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَيُعْذَرُ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ لَا يَعِيبُهُ وَلَا يَنْتَقِدُهُ، كَمَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَعِبْ أَحَدُهُمْ مُخَالِفَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهُ لَا إِمَامًا وَلَا مُقْتَدِيًا، وَكَمَا فَهِمَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْخَمْرِ تَحْرِيمَهَا وَبَعْضُهُمْ عَدَمَ تَحْرِيمِهَا، فَعَمِلَ كُلٌّ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَمِثْلُهُ مَا يَسْتَنْبِطُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ وَأَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ عَمِلَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّفُهُ تَقْلِيدًا لِمَنِ اسْتَنْبَطَهُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَشْهَرِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَهُمْ وَأَنْ يَأْخُذَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ إِلَّا إِذَا عَرَفَ مَأْخَذَهُ وَظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ دَلِيلِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِمَا أَنْزَلَ اللهُ لَا لِآرَاءِ النَّاسِ، فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) (٧: ٣).
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْعَامَّةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ كَالْأَحْكَامِ الْقَضَائِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ فَيَنْبَغِي
أَنْ يَنْظُرَ أُولُو الْأَمْرِ وَيَتَشَاوَرُوا فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَصْحِيحُ النَّقْلِ، وَمِنْ حَيْثُ طَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُمْ مَا يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ أَلْحَقُوهُ بِهِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُهُ، وَإِلَّا كَانَ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
الرَّابِعُ: مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ غَيْرُ وَارِدٍ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ كَالْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَادَاتِ
مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطِّبِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ الْعَامِّ - وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ إِرْشَادًا لَا تَشْرِيعًا - وَكَذَا مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْفَتَاوَى الشَّخْصِيَّةِ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْجُمْهُورُ لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِتَبْلِيغِهِ، فَالْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنَ الشَّرْعِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ; لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى فِي الْعَادَاتِ مِمَّا يُقَوِّي الْأُمَّةَ، وَيُمَكِّنُ الرَّابِطَةَ وَالْوَحْدَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْبَغِي لِحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجْبِرُوا أَحَدًا عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً صَالِحَةً فِي مِثْلِهِ.
الْخَامِسُ: مَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِعُ فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِيهِ مَا يَقْتَضِي فِعْلًا وَلَا تَرْكًا فَهُوَ الَّذِي عَفَا اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَحْمَةً مِنْهُ وَتَخْفِيفًا عَلَى عِبَادِهِ. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّفَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ تَعَالَى فِعْلَ شَيْءٍ أَوْ تَرْكَ شَيْءٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ مَا أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَّا خَاصٌّ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَصَالِحِهَا وَمَشْرُوطٌ فِيهِ أَلَّا يَكُونَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: " لَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ " وَأَمَّا أَمْرُ الدِّينِ فَقَدْ تَمَّ وَكَمُلَ. وَهُوَ تَعَالَى شَارِعُ الدِّينِ كَمَا قَالَ: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) (٤٢: ١٣) إِلَخْ. وَكَمَا قَالَ: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) (٤٥: ١٨) وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مُبَلِّغُ الدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (٤٢: ٤٨) وَمُبِيِّنُهُ كَمَا قَالَ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) فَلَيْسَ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ الْمَحْضِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَدْلُولِ النُّصُوصِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهَا، وَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ أَوِ ادُّعِيَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ أَوْ جُعِلَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوِ اتَّخَذَ رَبًّا مِنْ دُونِهِ (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) (٤٢: ٢١).
وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَتَّى إِنَّ فِيمَا أَثْبَتْنَاهُ هُنَا
تَكْرَارًا وَإِعَادَةً لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ " وَفِي الْإِعَادَةِ إِفَادَةٌ " كَمَا قِيلَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْأُسْلُوبُ وَتَنَوَّعَ التَّعْبِيرُ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
وَجْهُ اتِّصَالِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِمَا قَبْلَهُمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَهَى فِي السِّيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُمَا عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ اللهُ وَعَنِ الِاعْتِدَاءِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ تَرْكًا لِمُبَاحٍ يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ أَوْ بِالْحَلِفِ بِاسْمِ اللهِ تَنَسُّكًا وَتَعَبُّدًا مَعَ اعْتِقَادِ إِبَاحَتِهِ فِي نَفْسِهِ، لَا شَرْعًا يُدْعَى إِلَيْهِ وَيُعْتَقَدُ وُجُوبُهُ وَبَيَّنَ فِيهِ كَفَّارَةَ الْأَيْمَانِ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْأَنْصَابَ وَالْأَزْلَامَ، وَصَيْدَ الْبَرِّ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَبَعْدَ أَنْ نَهَى عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ، نَهَى أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللهِ تَعَالَى شَيْئًا لَمْ يَكُنْ حَرَّمَهُ، أَوْ شَرْعِ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ شَرَعَهُ، بِأَنْ يَسْأَلَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا سَكَتَ اللهُ عَنْهُ عَفْوًا وَفَضْلًا، فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ أَوْرَدَ تَكْلِيفًا جَدِيدًا، فَنَاسَبَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ ضَلَالَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمَا شَرَعُوهُ لَهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا قَلَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى جَهْلِهِمْ، مَعَ بَيَانِ بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ وَكَوْنِهِ يُنَافِي الْعِلْمَ وَالدِّينَ فَقَالَ:
(مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) هَذِهِ أَرْبَعَةُ نُعُوتٍ لِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْأَنْعَامِ الَّتِي حَرَّمَتْهَا الْجَاهِلِيَّةُ عَلَى أَنْفُسِهَا.
(فَالْبَحِيرَةُ) : فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُبْحِرُونَ أُذُنَهَا أَيْ يَشُقُّونَهَا شَقًّا وَاسِعًا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ بِهَا ذَلِكَ إِذَا أُنْتِجَتْ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ وَكَانَ الْخَامِسُ أُنْثَى كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: إِذَا وَلَدَتْ عَشَرَةَ أَبْطُنٍ، يَفْعَلُونَهُ لِيَكُونَ عَلَامَةً عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا أَوْ
رُكُوبِهَا أَوِ الْحَمْلِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (بَحَرَ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ: " كُلُّ مَكَانٍ وَاسِعٍ جَامِعٍ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ " ثُمَّ اشْتَقُّوا مِنْهُ عِدَّةَ كَلِمَاتٍ فِيهَا مَعْنَى السَّعَةِ.
(وَالسَّائِبَةُ) : النَّاقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ بِنَذْرِهَا لِآلِهَتِهِمْ فَتَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَلَا يُجَزُّ صُوفُهَا وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهَا إِلَّا لِضَيْفٍ، فَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَابَ الْفَرَسُ
وَنَحْوُهُ: أَيْ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَسَابَ الْمَاءُ: جَرَى، فَهُوَ سَائِبٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ النَّاقَةُ إِذَا وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مِنَ الْغَنَمِ مِثْلُ الْبَحِيرَةِ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَنْ أَبِي رَوْقٍ وَالسُّدِّيِّ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا قُضِيَتْ حَاجَتُهُ سَيَّبَ مِنْ مَالِهِ نَاقَةً أَوْ غَيْرَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ.
(وَالْوَصِيلَةُ) : الشَّاةُ الَّتِي تَصِلُ أُنْثَى بِأُنْثَى فِي النِّتَاجِ وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي وَصَلَتْ أَخَاهَا. قَالَ الرَّاغِبُ: وَهُوَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا وَلَدَتْ لَهُ شَاتُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى قَالُوا: وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَا يَذْبَحُونَ أَخَاهَا مِنْ أَجْلِهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الشَّاةُ إِذَا نُتِجَتْ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ فَإِنْ كَانَ السَّابِعُ أُنْثَى اسْتَحْيَوْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ اسْتَحْيَوْهُمَا، وَقَالُوا: وَصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا.
(وَالْحَامِي) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْحِمَايَةِ، وَهُوَ فَحْلُ الضِّرَابِ أَيِ التَّلْقِيحِ، قِيلَ: إِذَا أَتَمَّ ضِرَابَ عَشَرَةِ أَبْطُنٍ قَالُوا: حَمَى ظَهْرَهُ، وَتَرَكُوهُ لَا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ رِيشَ الطَّوَاوِيسِ تَمْيِيزًا. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَمَا تَرَى، وَأَقْوَاهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاةِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ:
الْبَحِيرَةُ: الَّتِي يُمْنَحُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلِبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ: كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ " قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: وَالْوَصِيلَةُ: النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ، وَالْحَامِي: فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَّعُوهُ (أَيْ تَرَكُوهُ) لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِي.
وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَحْثِ وَمَنِ ابْتَدَعَهُ لِلْعَرَبِ وَغَيَّرَ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا ابْتَدَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّا يُضَاهِي ذَلِكَ.
أَمَّا مَعْنَى الْجُمْلَةِ: فَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُشَرِّعْ لَهُمْ تَحْرِيمَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَأَخَوَاتِهِمَا أَيْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) بِزَعْمِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ أَسْنَدُوا تَحْرِيمَهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً أَوِ ادِّعَاءً عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ كَمَا حَكَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (٦: ١٤٨) أَيْ وَلَكِنَّهُ شَاءَ ذَلِكَ مِنَّا فَفَعَلْنَاهُ فَهُوَ رَاضٍ بِهِ أَمْ لَمْ يُسْنِدُوهُ إِلَيْهِ. أَمَّا كَوْنُ إِسْنَادِ تَحْرِيمِهِ إِلَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ
افْتِرَاءً عَلَيْهِ فَظَاهَرٌ بَيِّنٌ، وَأَمَّا إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ ادِّعَاءً وَاسْتِدْلَالًا بِالْمَشِيئَةِ فَهُوَ افْتِرَاءٌ أَيْضًا لِأَنَّ دَلِيلَهُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعِ الْكُفَّارَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسَّاقَ مِنَ الْفِسْقِ وَلَا أَكْرَهَهُمْ عَلَيْهَا بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ، بَلْ جَعَلَ لَهُمُ اخْتِيَارَ التَّرْجِيحِ فِي أَعْمَالِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ مَجْبُورِينَ عَلَيْهَا، فَعَدَمُ إِجْبَارِهِمْ عَلَى التَّرْكِ أَوِ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَائِهِ تَعَالَى بِمَا اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرٍ وَفِسْقٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ افْتِرَاءً عَلَيْهِ فِي حَالِ السُّكُوتِ عَنْ إِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، فَوَجْهُهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ مِنْ شَأْنِ رَبِّ النَّاسِ وَإِلَهِهِمْ سُبْحَانَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ، فَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُدَّعِيًا بِفِعْلِهِ هَذَا، إِمَّا الرُّبُوبِيَّةَ وَإِمَّا الْإِذْنَ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى، وَكِلَاهُمَا افْتِرَاءٌ، وَالْفِعْلُ فِيهِ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ (وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) أَنَّهُمْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْكُفْرِ بِهِ، بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِ وَلَوْ بِالْوَسَاطَةِ; لِأَنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يُسَيِّبُونَ بِاسْمِهَا السَّوَائِبَ وَيَتْرُكُونَ لَهَا مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لَيْسَتْ بِزَعْمِهِمْ إِلَّا وُسَطَاءَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى، تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَتُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِّ مُبْتَدِعٍ فِي الدِّينِ بِتَحْرِيمِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَسْيِيبِ عِجْلٍ لِلسَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ أَوْ سِوَاهُ، وَسَنِّ وِرْدٍ أَوْ حِزْبٍ يُضَاهِي بِهِ الْمَشْرُوعَ مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ تُؤْثَرْ عَنِ الشَّارِعِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَنَالُ بِهِ رِضَاهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْحَقُّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعْبَدُ إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا عِبَادَةَ وَلَا تَحْرِيمَ إِلَّا بِنَصٍّ عَامٍ أَوْ خَاصٍّ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) أَيْ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُؤَيَّدَةِ بِالْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى قَوَاعِدِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ دُونَ الْعَبَثِ وَالْخُرَافَاتِ وَإِلَى الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ لَهَا وَالْمُبَيِّنِ لِمُجْمَلِهَا فَاتَّبِعُوهُ فِيهَا، قَالُوا: يَكْفِينَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا مِنْ عَقَائِدَ وَأَحْكَامٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ. قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) أَيْ أَيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا إِلَى مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؟ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ مَا يَكْفِي الْأَفْرَادَ وَالْأُمَمَ وَمَا لَا يَكْفِي بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْفَضَائِلِ، وَأَيْنَ مِنْ هَذَا وَذَاكَ، أُولَئِكَ الْأُمِّيُّونَ الْجُهَلَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَبَّطُونَ فِي وَثَنِيَّةٍ وَخُرَافَاتٍ، وَوَأْدِ بَنَاتٍ، وَعُدْوَانٍ مُسْتَمِرٍّ، وَقِتَالٍ مُسْتَمِرٍّ، وَعَدَاوَةٍ وَبَغْضَاءَ، وَظُلْمٍ لِلْيَتَامَى وَالنِّسَاءِ، عَلَى مَا أُوتُوا مِنْ فِطْنَةٍ وَذَكَاءٍ، وَعَزِيمَةٍ وَدَهَاءٍ، وَحَزْمٍ وَمُضَاءٍ، وَعِزَّةٍ وَإِبَاءٍ، وَاسْتِقْلَالِ أَفْكَارٍ وَآرَاءٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِي تُؤَهِّلُهُمْ لِأَنْ يَكُونُوا هُمُ الْأَئِمَّةَ الْوَارِثِينَ، وَالْخُلَفَاءَ
الْعَادِلِينَ، لَوْلَا تَقْلِيدُ الْآبَاءِ! وَكَذَلِكَ كَانَ بَعْدَ اتِّبَاعِهِمْ بِتَرْكِهِمْ مُقْتَضَى الْعِلْمِ وَهِدَايَةِ الْقُرْآنِ.
هَذِهِ الْآيَةُ وَالْآيَةُ الْمُشَابِهَةُ لَهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (٢: ١٧٠) هُمَا أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنَ الْآيَاتِ فِي بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ، فَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ التَّقْلِيدَ خِلَافُ مُقْتَضَى حُكْمِ الْعَقْلِ وَدَلَائِلِ الْعِلْمِ وَهِدَايَةِ الدِّينِ، وَلَكِنَّ خَلَفَنَا الطَّالِحَ رَجَعُوا إِلَيْهِ خِلَافًا لِسَلَفِهِمُ الصَّالِحِ، حَتَّى عَادُوا وَهُمْ فِي حِجْرِ الْإِسْلَامِ، شَرًّا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ فِي حِجْرِ الْأَصْنَامِ.
(فَصْلٌ فِي بَيَانِ بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ وَشُبُهَاتِ أَهْلِهِ).
الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ فِي الدِّينِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وَأَقْوَالُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا تَقَرَّرَتْ بِدْعَةُ التَّقْلِيدِ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعُ، أَيْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا خَيْرُ الْقُرُونِ،
وَشَرُّ التَّقْلِيدِ مَا فَرَّقَ الْأُمَّةَ شِيَعًا وَجَعَلَ الِاخْتِلَافَ فِي الدِّينِ عِنْدَهَا دِينًا بِانْتِسَابِ كُلِّ شِيعَةٍ وَطَائِفَةٍ إِلَى رَجُلٍ يَلْتَزِمُونَ أَقْوَالَهُ أَوْ أَقْوَالَ مَنْ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَإِنْ خَالَفَتْ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. هَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُتَفَرِّقِينَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الدِّينِ، وَبَرَّأَ رَسُولَهُ مِنْهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَرُدَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لَا إِلَى أَقْوَالِ النَّاسِ غَيْرِ الْمَعْصُومِينَ، وَجَعَلَ وَظِيفَةَ الْكِتَابِ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ إِلَّا الْبَغْيَ وَالضَّلَالَ.
ثُمَّ إِنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْعِلْمَ بِالدِّينِ وَطَالَبَ بِالدَّلِيلِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْقَوْلِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١٠: ٦٨) السُّلْطَانُ: الْبُرْهَانُ. وَالتَّقْلِيدُ لَيْسَ بِعِلْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ التَّقْلِيدِ وَتَنَاقُضَ أَهْلِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالْمَنَارِ، وَإِنَّنَا نَذْكُرُ هُنَا مَا حَرَّرَهُ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ فِي مَبْحَثِ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِهِ (إِرْشَادِ الْفُحُولِ إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ) قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ: هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ، وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ. قَالَ: وَنَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي، فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ فَاتْرُكُوهُ. وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ
تَكَلَّمْتُ فِيهَا بِرَأْيِي سَوْطًا عَلَى أَنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَى السِّيَاطِ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَهُنَا مَالِكٌ يَنْهَى عَنِ التَّقْلِيدِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (وَأَحْمَدُ) وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَنْهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُصَرِّحَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا (الْقُولَ الْمُفِيدَ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ) فَلَا نُطَوِّلُ الْمَقَامَ بِذِكْرِ ذَلِكَ; وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا فَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ
الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدِّ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَمْوَاتِ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْمُجْتَهِدِ بِرَأْيِهِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. فَهَذَانِ الْإِجْمَاعَانِ يَجْتَثَّانِ التَّقْلِيدَ مِنْ أَصْلِهِ، فَالْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ حَيْثُ لَمْ يَحْكُوا هَذَا الْقَوْلَ إِلَا عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَابَلَ مَذْهَبَ الْقَائِلِينَ بَعْدَ الْجَوَازِ بَعْضُ الْحَشْوِيَّةِ، وَقَالَ: يَجِبُ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ النَّظَرُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَقْنَعُوا بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ حَتَّى أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ فَإِنَّ التَّقْلِيدَ جَهْلٌ وَلَيْسَ بِعِلْمٍ.
(وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ) : التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ; وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْخِلَافِ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ وَهَؤُلَاءِ هُمْ مُقَلِّدُونَ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ، وَلَا سِيَّمَا وَأَئِمَّتُهُمُ الْأَرْبَعَةُ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ تَقْلِيدِهِمْ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ تَعَسَّفُوا فَحَمَلُوا كَلَامَ أَئِمَّتِهِمْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ النَّاسِ لَا الْمُقَلِّدِينَ! فَيَاللهِ الْعَجَبُ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْأُصُولِ نَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الْأَكْثَرِ، وَجَعَلَ الْحُجَّةَ لَهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ! فَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ خَيْرِ الْقُرُونِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَتِلْكَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، فَإِنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِيهِمُ أَلْبَتَّةَ وَلَا عَرَفُوا التَّقْلِيدَ وَلَا سَمِعُوا بِهِ، بَلْ كَانَ الْمُقَصِّرُ مِنْهُمْ يَسْأَلُ الْعَالِمَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ فَيُفْتِيهِ بِالنُّصُوصِ الَّتِي يَعْرِفُهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ حُكْمِ اللهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالسُّؤَالِ عَنِ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ التَّقْلِيدَ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ لَا بِالرِّوَايَةِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُوجِبُونَ لِلتَّقْلِيدِ وَالْمُجَوِّزُونَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) إِلَّا السُّؤَالَ عَنْ حُكْمِ اللهِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا عَنْ آرَاءِ الرِّجَالِ، هَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي عُمُومِ السُّؤَالِ كَمَا زَعَمُوا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ وَارِدَةٌ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ.
وَهُوَ السُّؤَالُ عَنْ كَوْنِ أَنْبِيَاءِ اللهِ رِجَالًا، كَمَا يُفِيدُهُ أَوَّلُ الْآيَةِ وَآخِرُهَا حَيْثُ قَالَ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (١٦: ٤٣، ٤٤) وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِالْمَنْعِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ
فَوُجُودُ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ مُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَنْ يَعْرِفُ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الْمَنْعَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِذَا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا. وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الْمُقَلِّدِينَ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَاصَّةً فَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي مَقْصِدِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِأَقْوَالِ الْمُقَلِّدِينَ فِي شَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِمْ إِجْمَاعٌ.
" وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مَنْ جَوَّزَ التَّقْلِيدَ فَضْلًا عَمَّنْ أَوْجَبَهُ بِحُجَّةٍ يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِجَوَابِهَا قَطُّ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِرَدِّ شَرَائِعِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ، بَلْ أُمِرْنَا بِمَا قَالَهُ سُبْحَانَهُ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) (٤: ٥٩) أَيْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ مَنْ يُرْسِلُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْحُكْمِ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ.
" وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ اسْتِبْعَادِ أَنْ يَفْهَمَ الْمُقَصِّرُونَ نُصُوصَ الشَّرْعِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلتَّقْلِيدِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوهُ، فَهَهُنَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَهِيَ سُؤَالُ الْجَاهِلِ لِلْعَالَمِ عَنِ الشَّرْعِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ، لَا عَنْ رَأْيِهِ الْبَحْتِ، وَاجْتِهَادِهِ الْمَحْضِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ عَمَلُ الْمُقَصِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ. وَمَنْ لَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَ أَهْلَ هَذِهِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الْمُقَلِّدِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) (٤٣: ٢٢، ٢٣)، (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (٩: ٣١)، (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ) (٣٣: ٦٧) وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَمَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَ الْبَحْثِ عَلَى التَّمَامِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى الرِّسَالَةِ الَّتِي قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أَدَبَ الطَّلَبِ وَمُنْتَهَى الْأَرَبِ ".
" وَمَا أَحْسَنَ مَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ
لَكَ مِنْ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. أُبْطِلَ التَّقْلِيدُ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ
ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا التَّقْلِيدُ. وَإِنْ قَالَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي أَصَبْتُ وَإِنْ لَمْ أَعْرِفِ الْحُجَّةَ; لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ لَهُ: تَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ; لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِكَ، كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْكَ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إِلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نُقِضَ قَوْلُهُ وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَغْزَرُ عِلْمًا؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا إِنْ آمَنْ مَنَّ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ " انْتَهَى.
(قُلْتُ) : تَتْمِيمًا لِهَذَا الْكَلَامِ، وَعِنْدَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ: هَذَا الصَّحَابِيُّ أَخَذَ عِلْمَهُ مَنْ أَعْلَمِ الْبَشَرِ الْمُرْسَلِ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادِهِ الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَتَقْلِيدُهُ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ عُلُومِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْعِصْمَةِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ وَلَا فِعْلَهُ وَلَا اجْتِهَادَهُ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
(وَاعْلَمْ) : أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنْ رَأْيَ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ فَقْدِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ بِهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ; وَلِهَذَا نَهَى كِبَارُ الْأَئِمَّةِ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَ الْمُقَلِّدِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بالرَّأْيِ لَا بِالرِّوَايَةِ، وَيَتَمَسَّكُ بِمَحْضِ الِاجْتِهَادِ عَنْ مُطَالِبٍ بِحُجَّةٍ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَأْيَ الْمُجْتَهِدِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّمَسُّكُ بِهِ وَيَسُوغُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِيمَا كَلَّفَهُ اللهُ، فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الْمُجْتَهِدَ صَاحِبَ شَرْعٍ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَا يَتَمَكَّنُ كَامِلٌ وَلَا مُقَصِّرٌ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى هَذَا بِحُجَّةٍ قَطُّ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الدَّعَاوَى وَالْمُجَازَفَاتِ فِي شَرْعِ اللهِ تَعَالَى فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَلَوْ جَازَتِ الْأُمُورُ الشَّرْعِيَّةُ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى لَادَّعَى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، وَقَالَ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ اهـ.
هَذَا مَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَإِنَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى إِلَى هَذَا الْبَحْثِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فَنَزِيدُهُ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى بُطْلَانَ التَّقْلِيدِ وَهُوَ أَنْ يَتْبَعَ الْمَرْءُ غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ فِي فَهْمِهِ لِلدِّينِ وَرَأْيِهِ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا حُجَّةٍ، أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الْإِغْرَاءِ بِأَنْ يَهْتَمُّوا بِإِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُعَدُّ رُشْدًا وَهُدًى، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا أَصْلَحُوا أَنْفُسَهُمْ وَقَامُوا بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمٍ وَتَعْلِيمٍ وَعَمَلٍ وَإِرْشَادٍ، فَلَا يَضُرُّهُمْ مَنْ ضَلَّ مِنَ النَّاسِ عَنْ مَحَجَّةِ الْعِلْمِ بِالْجَهْلِ وَالتَّقْلِيدِ، وَعَنْ صِرَاطِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِالْفِسْقِ وَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أَيِ الْزَمُوا إِصْلَاحَ أَنْفُسِكُمْ، وَتَزْكِيَتَهَا بِمَا شَرَّعَ اللهُ لَكُمْ، لَا يَضُرُّكُمْ ضَلَالُ غَيْرِكُمْ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، إِذْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَمِنْ أُصُولِ الْهِدَايَةِ: الدَّعْوَةُ إِلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَنْ لَا تَكُونُونَ مُهْتَدِينَ إِلَّا إِذَا بَلَغْتُمْ دَعْوَةَ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَعَلِمْتُمِ الْجَاهِلِينَ مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَأَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَالْعِلْمَ كَمَا كَتَمَهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَعَنَهُمُ اللهُ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِمْ وَلِسَانِ نَبِيِّكُمْ (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ إِلَيْهِ وَحْدَهُ رُجُوعُكُمْ وَرُجُوعُ مَنْ ضَلَّ عَمَّا اهْتَدَيْتُمْ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُكُمْ عِنْدَ الْحِسَابِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَجْزِيكُمْ بِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَيْسٌ
قَالَ: " قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ قَالَ:
وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ " وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الصِّدِّيقِ. وَقَدْ رَجَّحَ رَفْعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُطَوَّلًا فِي مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَارِثَةَ اللَّخْمِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: " مَا تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكِ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ " قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَ غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ: " يَا رَسُولَ اللهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ " ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَمَانِهَا إِنَّهَا الْيَوْمَ مَقْبُولَةٌ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانُهَا تَأْمُرُونَ فَيَصْنَعُ بِكُمْ كَذَا وَكَذَا أَوْ قَالَ فَلَا يَقْبَلُ مِنْكُمْ، فَحِينَئِذٍ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ.
وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) الْآيَةَ قَالَ: " كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ اللهِ: أَلَا أَقُومُ فَآمُرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَالَ آخَرُ إِلَى جَنْبِهِ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الْآيَةَ. قَالَ: فَسَمِعَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَهْ لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ بَعْدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ حَيْثُ أُنْزِلَ وَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ
بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَسِيرٍ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْحِسَابِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَلْبَسُوا شِيَعًا وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَائْمُرُوا وَانْهَوْا، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ وَأَلْبَسْتُمْ شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَائْمُرْ نَفْسَكَ وَعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ " رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عِقَالٍ، قَالَ: " قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: لَوْ جَلَسْتَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ وَلَمْ تَنْهَ; فَإِنَّ اللهَ قَالَ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي وَلَا لِأَصْحَابِي لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَكُنَّا نَحْنُ الشُّهُودَ وَأَنْتُمُ الْغُيَّبَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ ".
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ سَوَّارِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ جَلِيدٌ فِي الْعَيْنِ شَدِيدُ اللِّسَانِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفَرٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَسْرَعَ فِيهِ،
وَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ لَا يَأْلُو، وَكُلُّهُمْ بَغِيضٌ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ دَنَاءَةً إِلَّا الْخَيْرَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَأَيُّ دَنَاءَةٍ تُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَسْتُ إِيَّاكَ أَسْأَلُ إِنَّمَا أَسْأَلُ الشَّيْخَ، فَأَعَادَ عَلَى عَبْدِ اللهِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ تَرَى لَا أَبَا لَكَ أَنِّي سَآمُرُكَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقْتُلَهُمْ! عِظْهُمْ وَانْهَهُمْ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الْآيَةَ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مَازِنٍ قَالَ: " انْطَلَقْتُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا قَوْمٌ جُلُوسٌ فَقَرَأَ أَحَدُهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْيَوْمَ ".
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَالَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: " كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَأَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَتَذَكَّرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقُلْتُ أَنَا: أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ؟ فَأَقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ، وَقَالُوا: تَنْزِعُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَا تَعْرِفُهَا وَلَا تَدْرِي مَا تَأْوِيلُهَا فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَكَلَّمْتُ. وَأَقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمَّا حَضَرَ قِيَامُهُمْ قَالُوا: إِنَّكَ غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ، وَإِنَّكَ
نَزَعْتَ آيَةً وَلَا تَدْرِي مَا هِيَ، وَعَسَى أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ: إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا. وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، لَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ ".
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: تَلَا الْحَسَنُ هَذِهِ الْآيَةَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِهَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهَا، مَا كَانَ مُؤْمِنٌ فِيمَا مَضَى وَلَا مُؤْمِنٌ فِيمَا بَقِيَ إِلَّا وَإِلَى جَنْبِهِ مُنَافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قَالَ: إِذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجُعِلَتْ مَسْجِدًا وَظَهَرَ لُبْسُ الْعَصَبِ فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ اهـ.
أَقُولُ: عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ مُهْتَدِيًا بِمُجَرَّدِ إِصْلَاحِهِ لِنَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَهْتَمَّ بِإِصْلَاحِ غَيْرِهِ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا فَرْضٌ لَازِمٌ دَائِمٌ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ فَرِيضَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَسْقُطُ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ فَسَادًا لَا يُرْجَى مَعَهُ تَأْثِيرُ الْوَعْظِ وَالْإِرْشَادِ، أَوْ فَمَاذَا يَخْشَى أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِيذَاءِ الْوَاعِظِ الْمُرْشِدِ، وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِقُوَّةِ رِوَايَتِهِ، وَسَائِرِ أَدِلَّتِهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّهُ يَنَالُ أَذًى إِذَا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ
حِينَئِذٍ فَضِيلَةً لَا فَرِيضَةً، وَهَذَا إِذَا رُجِّحَ أَنَّ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني