يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، الضَّالُّ وَالْمُهْتَدِي، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
[سورة المائدة (٥) : آية ١٠٦]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.
«٨٥٠» سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ تميم به أَوْسٍ الدَّارِيَّ وَعَدِيَّ بْنَ بَدَّاءٍ [١] قَدْ خَرَجَا مِنَ الْمَدِينَةِ لِلتِّجَارَةِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ وَمَعَهُمَا بُدَيْلٌ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العاص، وكان مسلما فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب كتابا فيه جميع ما معه من المتاع وألقاه في جوالقه ولم يخبر صاحبيه بذلك، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ أَوْصَى إِلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إِذَا رَجَعَا إِلَى أَهْلِهِ، وَمَاتَ بُدَيْلٌ فَفَتَّشَا مَتَاعَهُ وَأَخَذَا مِنْهُ إِنَاءً مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشًا بِالذَّهَبِ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ مِثْقَالٍ فِضَّةً فَغَيَّبَاهُ، ثُمَّ قَضَيَا حَاجَتَهُمَا فَانْصَرَفَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَفَعَا الْمَتَاعَ إِلَى أَهْلِ الْبَيْتِ، فَفَتَّشُوا وَأَصَابُوا الصَّحِيفَةَ فِيهَا تَسْمِيَةُ مَا كَانَ مَعَهُ فجاءوا تميما وعديا فقال: هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ؟ قَالَا: لَا، قَالُوا: فَهَلِ اتَّجَرَ تِجَارَةً؟ قَالَا: لَا، قَالُوا: هَلْ طَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَا: لَا، فَقَالُوا: إِنَّا وَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ صَحِيفَةً فِيهَا تسمية ما مَعَهُ وَإِنَّا قَدْ فَقَدْنَا مِنْهَا إِنَاءً مِنْ فِضَّةٍ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ مِثْقَالٍ فِضَّةً، قَالَا: مَا نَدْرِي إِنَّمَا أَوْصَى لَنَا بِشَيْءٍ فَأَمَرَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إِلَيْكُمْ فَدَفَعْنَاهُ وَمَا لَنَا عِلْمٌ بِالْإِنَاءِ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَرَّا عَلَى الْإِنْكَارِ وَحَلَفَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ.
أَيْ: لِيَشْهَدِ اثْنَانِ، لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ فِيمَا بَيْنَكُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ اثْنَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى وَصِيَّةِ الموصي، وقال الآخرون: هُمَا الْوَصِيَّانِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمَا وَلِأَنَّهُ قَالَ: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ، وَلَا يُلْزَمُ الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيد، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ كَقَوْلِكَ:
شَهِدْتُ وَصِيَّةَ فُلَانٍ، بِمَعْنَى حَضَرْتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النُّورِ: ٢]، يُرِيدُ الْحُضُورَ، ذَوا عَدْلٍ، أَيْ: أَمَانَةٍ وَعَقْلٍ، مِنْكُمْ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَعُبَيْدَةَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَقَالَ النَّخَعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَكَانَتْ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةً فِي الِابْتِدَاءِ ثم نسخت، وذهب
وأصل الخبر أخرجه البخاري ٢٧٨٠ وأبو داود ٣٦٠٦ والترمذي ٣٠٦٠ والدارقطني (٤/ ١٦٩) والواحدي ٤٢١.
والطبري ١٢٩٧٠ والطبراني (١٢/ ٧١) والبيهقي (١٠/ ٦٥) من حديث ابن عباس.
وورد من وجوه كثيرة مرسلا ومتصلا، انظر «فتح القدير» ٨٧١ و٨٧٢ للشوكاني بتخريجي، والله الموفق.
(١) في المطبوع «زيد» والمثبت هو الصواب.
قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا ثَابِتَةٌ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ نَجِدْ مُسْلِمَيْنِ فَنُشْهِدُ كافرين، قال شُرَيْحٌ: مَنْ كَانَ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ كَافِرَيْنِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَا مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، فَشَهَادَتُهُمْ جائزة، ولا يجوز شَهَادَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا عَلَى وَصِيَّةٍ فِي سَفَرٍ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَا وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الكوفة بتركته وأتيا الأشعري فأخبراه بتركته ووصيّته، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يكن بعد الذي كان فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُمَا، وَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا، وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ: ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، أَيْ: مِنْ حَيِّ الْمُوصِي أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، [أَيْ مِنْ] [١] غَيْرِ حَيِّكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ، وَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ، سِرْتُمْ وَسَافَرْتُمْ، فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ، فَأَوْصَيْتُمْ إِلَيْهِمَا وَدَفَعْتُمْ إليهما فاتهمتهما بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً، فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ تَحْبِسُونَهُما، أَيْ: تَسْتَوْقِفُونَهُمَا، مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، أَيْ: بعد الصلاة، ومن صلة يريد بها بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، هَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَعَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَيَجْتَنِبُونَ فِيهِ الْحَلِفَ الْكَاذِبَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَرَادَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ أَهْلِ دِينِهِمَا وَمِلَّتِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَيُقْسِمانِ، فيحلفان، بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ، أَيْ: شَكَكْتُمْ وَوَقَعَتْ لَكُمُ الرِّيبَةُ فِي قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَصِدْقِهِمَا، أَيْ: فِي قَوْلِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً، أَيْ: لَا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ عَلَى عِوَضٍ نَأْخُذُهُ أَوْ مَالٍ نَذْهَبُ بِهِ أَوْ حَقٍّ نَجْحَدُهُ، وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى، وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرَابَةٍ مِنَّا، وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا وَنَهَى عَنْ كِتْمَانِهَا، وقرأ يعقوب «شهادة»، بالتنوين، «اللَّهِ» مَمْدُودٍ، وَجَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ عِوَضًا عَنْ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَيُرْوَى عَنْ أبي جعفر [٢] شهادة منوّنة، اللَّهِ بِقَطْعِ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ عَلَى ابْتِدَاءِ الْيَمِينِ، أَيْ: وَاللَّهِ، إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ، أَيْ: إِنْ كَتَمْنَاهَا كُنَّا مِنَ الْآثِمِينَ.
«٨٥١» فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةٌ الْعَصْرِ وَدَعَا تَمِيمًا وَعَدِيًّا فَاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَانَا شَيْئًا مِمَّا دُفِعَ إِلَيْهِمَا فَحَلَفَا عَلَى ذَلِكَ، وَخَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبِيلَهُمَا، ثُمَّ ظَهَرَ الْإِنَاءُ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ظُهُورِهِ.
فَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ وُجِدَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: إِنَّا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ [٣].
وَقَالَ آخَرُونَ: لَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ أَظْهَرُوهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَأَتَوْهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَا: إِنَّا كُنَّا قَدِ اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ فَقَالُوا لَهُمَا: أَلَمْ تَزْعُمَا أَنَّ صَاحِبَنَا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ؟ قَالَا: لَمْ يَكُنْ عندنا بيّنة فكرهنا أَنَّ نُقِرَّ لَكُمْ بِهِ فَكَتَمْنَاهُ لذلك، فرفعوهما [٤] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ [٥] :
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) في المطبوع «يعقوب».
(٣) هذه الرواية عند البخاري ٢٧٨٠ وغيره وانظر ما تقدم برقم ٨٥٠.
(٤) في المطبوع وط «فرفعهما».
(٥) انظر «تفسير الطبري» ١٢٩٧٢.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
عبد الرزاق المهدي