١٠٦ قوله تعالى١ : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت إلى قوله : ذلك أدنى أن تأتوا بالشهادة على وجهها ٢ :
وقد قال مكي : إن هذه الآيات٣ عند أهل المعاني أشكل ما في القرآن إعرابا وحكما ونحن نبين إن شاء الله تعالى٤ معناها وحكمها. فأما الإعراب٥، فالاشتغال به ليس مما نقصده وفيه٦ تعويل : فأول ما تقدم الكلام على سبب الآية٧ وسببها بلا خلاف أن٨ تميما٩ الداري وعدي بن برا١٠ كانا نصرانيين فسافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما قال الواقدي : وهما اخوان، وقدم المدينة أيضا ابن أبي ماوية مولى عمرو بن العاص يريد الشام أيضا تاجرا، فخرجوا في رفقة واحدة، فمرض ابن أبي ماوية في الطريق. قال الواقدي : فكتب وصيته بيده١١ ودفنها في متاعه وأوصى إلى تميم وعدي ان يؤديا رحله فأتيا بعد مدة إلى المدينة برحله فدفعاه١٢ ووجدا١٣ أولياؤه من بني سهم وصية مكتوبة ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها، فقالا : ما ندري هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما١٤ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية الأولى١٥، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بذهب، فقيل لمن وجده عنده : من أين لك هذا ؟ قالوا : ابتعناه من تميم وعدي، فارتفع١٦ الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا. قال الواقدي : فحلف عبد الله ابن عمرو ابن العاص١٧ والمطلب ابن أبي وداعة١٨ واستحقا. وروى ابن عباس عن تميم أنه قال : برئ١٩ من هذه الآيات٢٠ غيري وغير عدي، وذكر الحكاية، لكن قال : وكان معه جام من فضة فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف واقتسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم٢١ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت أهله٢٢ فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو ابن العاص٢٣ ورجل آخر معه ونزعت من عدي خمسمائة. وفي بعض الأحاديث عن ابن عباس أن الرجل الموصي رجل٢٤ من المسلمين٢٥ من بني سهم لا مولى. وبعد القول في سببها فلنذكر٢٦ ما قيل في معناها. وقد اختلف في ذلك فقيل : معناها أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على المريض إذا حضره الموت أن يشهد على وصيته٢٧ عدلين، فإن كان في سفر فهو الضرب في الأرض ولم يكن معه مؤمن فليشهد شاهدين ممن حضر من الكفار، فإن قدما وأديا الشهادة على الوصية حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا٢٨، وأن ما شهد به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا أو نحو هذا مما هو إثم٢٩ حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما فمعنى بقوله تعالى : منكم من المؤمنين وبقوله : من غيركم من الكفار، وهذا أحد الأقوال في معنى الآية. والذين ذهبوا إليه اختلفوا٣٠ هل هو منسوخ أم محكم ؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا منسوخ وأنه لا تجوز اليوم شهادة كافر على مسلم. والذي نسخه عندهم قوله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم [ الطلاق : ٢ ]، وقال تعالى : ممن ترضون من الشهداء [ البقرة : ٢٧٢ ]، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. وذهب جماعة إلى أن الآية على المعنى الذي ذكرناه محكمة، وأن شهادة الكافر على المسلم٣١ في الوصية جائزة كما جاء في الآية. وإليه ذهب ابن عباس وشريح وأبو موسى الأشعري وغيرهم٣٢. وقد قضى بذلك أبو موسى بالكوفة٣٣ على ما ذكر الشعبي عنه، وقيل : معنى الآية ما تقدم.
وقوله تعالى : منكم ٣٤ يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله : أو آخران من غيركم يريد من غير٣٥ القرابة والعشيرة، قالوا : فأمر الله تعالى بإشهاد عدلين من القرابة٣٦ إذ هم أحق٣٧ بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم يحضر٣٨ قرابة أشهدا أجنبيين٣٩، فإن شهدا فإذا٤٠ لم يقع ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب بأنهما مالا بالوصية إلى أحد٤١ أو زادا أو نقصا حلفا بعد الصلاة٤٢ ومضت شهادتهما، فإن عثر على تبديل منهما٤٣ بعد ذلك واستحقا إثما حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين. وفي هذين القولين أيضا من الشذوذ حلف الشاهدين مع شهادتهما. وقد اختلف أيضا في هذا٤٤ هل هو محكم أم منسوخ ؟ فذهب الحسن بن أبي الحسن وعكرمة والزهري إلى أنه محكم.
واختلف في الصلاة المذكورة ما هي ؟ فقال شريح : هي صلاة العصر. وقال الحسن : صلاة الظهر وذهب جماعة إلى أنه منسوخ وأن الشاهد لا يحلف، ويذكر هذا٤٥ عن/ مالك والشافعي وكافة الفقهاء. وقال ابن عباس : المراد بالصلاة صلاة أهل دينهما٤٦ وهذا٤٧ على القول بأن الشاهدين غير مسلمين. واختلف في٤٨ المذهب في الشاهد٤٩ يشهد٥٠ و٥١ يحلف على صدق٥٢ شهادته هل٥٣ شهادته أم لا ؟ على قولين : وقيل : إنما ألزم الشاهدان٥٤ اليمين لأنهما ادعيا أن الميت أوصاهما٥٥ بوصية. وذكر الطبري رحمه الله تعالى٥٦ أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي وذلك٥٧ أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إذا٥٨ ارتيبا، وإذا ارتيبا فقد ترتبت عليهما دعوى٥٩ فليلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما فإن عثر على أنهما استحقا إثما نظر فإن كان الأمر بينا غرما دون يمين، وإن كان بشهادة واحد أو بدلائل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك٦٠ مما هو كالشاهد حمل٦١ على الظالم، وحلف الداعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل. وهذا الذي قاله الطبري تأويل للآية يخرجان عن٦٢ أن يحلف الشاهد مع شهادته، وتكون الآية معه محكمة، فالشهادة٦٣......
٢ "على وجهها" ساقطة في (هـ)..
٣ في (هـ): "إن هذه الآية مكررة"..
٤ كلمة ساقطة في (هـ)..
٥ في (هـ): "أعرابها"..
٦ في غير (أ) و(ب) و(هـ): "ففيه"..
٧ في (هـ): "سبب نزولها"..
٨ في (ج): "على أن"..
٩ في (ب): "تميمي"..
١٠ في (ج): "عدي بن يد"، في (د): "عدي بن يزيد"..
١١ في (أ): "وصية" في (ب) و(ج) و(د): "وصية بهذه".
١٢ في غير (ج) و(هـ): "فدفعاها"..
١٣ في (ج): "ووجدوا"..
١٤ في (ب): "فدفعوهما"..
١٥ كلمة ساقطة في غير (ب) و(د)..
١٦ في (هـ): "فارتفع"..
١٧ عبد الله ابن عمروا بن العاص: انظر الملحق..
١٨ المطلب بن أبي وداعة: انظر الملحق..
١٩ في (أ): "يرى"..
٢٠ في ن: "الآية"..
٢١ في (هـ): "مقدم"..
٢٢ كلمة ساقطة في (هـ)..
٢٣ في (هـ): "العاص"..
٢٤ كلمة ساقطة في (هـ)..
٢٥ في (هـ): (المؤمنين"..
٢٦ في (ب) و(ج): "لنذكر"..
٢٧ في (ب) و(ج):"وصية"..
٢٨ في (هـ): "وما بدلا"..
٢٩ في (ب) و(د): "ثم"..
٣٠ في (هـ): "اختلفوا اختلفوا إليه".
٣١ في (هـ): "على المؤمن"..
٣٢ في (أ) و(هـ): "وغيرهما"..
٣٣ في (هـ): "في الكوفة"..
٣٤ كلمة بياض في (ب)..
٣٥ "يريد من غير" ساقطة في (هـ)..
٣٦ في (ب) و(د): "القرابة منهم"..
٣٧ في (ب): "أحق"..
٣٨ في (هـ): "لم يحضروا"..
٣٩ في (ب) و(د): "أجنبي"..
٤٠ في (ج) و(د) و(هـ): "فإن"..
٤١ كلمة بياض في (د)..
٤٢ في (هـ): "الشهادة"..
٤٣ كلمة ساقطة في (هـ)..
٤٤ في (هـ): "في هذا أيضا"..
٤٥ "لا يحلف ويذكر هذا أيضا"..
٤٦ في (ب): "دينها"..
٤٧ "دينهما وهذا" مقدرة في (ج)..
٤٨ "في" ساقطة في غير (ج) و(د) و(هـ)..
٤٩ كلمة ساقطة في (هـ)..
٥٠ كلمة ساقطة في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)..
٥١ الواو ساقطة في (هـ)..
٥٢ في (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "صحة"..
٥٣ كلمة ساقطة في (هـ)..
٥٤ في (أ): "الشاهد"..
٥٥ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "أوصى لهما"..
٥٦ كلمة ساقطة في (هـ)..
٥٧ في (د): "وقيل"..
٥٨ في (أ) و(هـ): "أن"..
٥٩ في (هـ): "دعوة"..
٦٠ "أو ما أشبه ذلك" تقدير في (ج)..
٦١ في (ج) و(ب): "يمل"..
٦٢ في (أ) و(هـ): "على"..
٦٣ كلمة ساقطة في (هـ).
.
أحكام القرآن
ابن الفرس