ذكر البغوي : وأخرج نحوه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن تميما الدارمي وعدي بن بدأ خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما، فلما قدموا الشام مرض بديل ودون ما معه في صحيفة و طرحها في متاعه ولم يخبرهما به، وأوصى إليهما أن يدفعها متاعه إلى أهله ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناء فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه ثم قضيا حاجتهما فانصرفا إلى المدينة فدفعا إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا صحيفة فيها تسمية ما كان معه، فجاؤا تميما وعديا فقالوا : هل باع صاحبنا شيئا من متاعه ؟ قالا : لا، قالوا : فهل اتجر تجارة ؟ قال : لا، قالوا : فهل طال مرضه، فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا، فقالوا : إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال من فضة، قالا : لا ندري إنما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفع إليكم فدفعناه وما لنا من علم بالإناء فجحدوا فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ١.
يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان شهادة بينكم مبتدأ خبره اثنان بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تقديره شهادة بينكم شهادة اثنين لفظه خبر ومعناه أمر أي ليشهد اثنان، وجاز أن يكون اثنان فاعل المصدر يعني شهادة بينكم والمصدر مبتدأ خبره محذوف مقدم عليه تقديره فيما أمرتم شهادة اثنين أي أن يشهد اثنان، واتسع في بين فأضيف إليه المصدر والمراد بالشهادة الإشهاد بمعنى الإحضار للإيصاء إليهما يدل عليه سياق القصة المنزلة فيها كما في قوله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ٢ وعدد الاثنان مبني على الأحوط والواحد يكفي للوصية إجماعا، وإذا حضر ظرف للشهادة أي الإشهاد، ومعنى إذا حضر أحدكم الموت إذا ظهرت أمارته، وقوله حين الوصية ظرف لحضر أو بدل من حضر في إبداله تنبيه على أن الوصية مما ينبغي أن لا يتهاون فيه يعني وقت حضور الموت وقت الوصية ضرورة ذوا عدل منكم أي من أهل دينكم يا معشر المؤمنين صفتان للاثنان فإن المسلمين العدول أولى للاستئمان أو آخرين من غيركم إن أنتم مرفوع بفعل مضمر يفسره ما بعده ضربتم في الأرض أي سافرتم فأصبتكم الموت فأوصيتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة، يدل على هذا التقدير سبب النزول حيث أصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما الإناء فجحد الوصيان تحبسونهما صفة لاثنان أو آخران يعني لكل عادلين من الحاضرين للإيصاء سواء كان منكم أومن غيركم ولا وجه لجعله صفة لآخرين فقط والمعنى تقفون الوصيين المنكرين للخيانة من بعد الصلاة من زائدة والمراد بالصلاة صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار، وقيل : أي صلاة كان فيقسمان أي الوصيان بالله إن ارتبتم شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعني إن ارتاب الوارث منكم ويتهم الوصيين بالخيانة وينكر أنها يستحلف الوصيين الحاكم فيقسمان بالله وإن لم يرتابوا أو لم يتهموا فلا حاجة إلى تحليفهما، فقوله إن ارتبتم اعراض وجواب القسم لا نشتري به أي لا نستبدل بالقسم بالله ثمنا عرضا من الدنيا أي لا نحلف بالله كذبا بالطمع ولو كان الوصي ذا قربى من الميت وادعى الورثة عليه الخيانة يعني الاستحلاف لا يختص بالأجنبي عند إنكار الخيانة و الله أعلم ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بإقامتها، والمراد بالشهادة ها هنا إظهار الحق والإخبار بالصدق ولو على أنفسهم قرأ يعقوب شهادة الله ممدودا جعل همزة الإستفهام عوضا عن حرف القسم أي والله إنا إذا أي إذا كتمنا الحق لمن الآثمين فلما نزلت هذه الآية فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر دعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما.
ثم وجد الإناء في أيديهما بعدما طال الزمان، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه وجد بمكة فقالوا : اشترينا عن تميم وعدي فبلغ ذلك بني سهم فأتوهم في ذلك فقالا انا كنا اشترينا منه هذا فقالوا : ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه، قالا : لم يكن عندنا بينه فكرهنا أن نقر لكم به فكتمنا لذلك، فرفعوهما إلى رسول الله فنزلت فإن عثر
٢ سورة النور، الآية: ٢.
التفسير المظهري
المظهري