الموعظة (١)، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يرشد من كان على معصيته (٢).
١٠٩ - قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، انتصاب اليوم يجوز أن يكون بفعل محذوف وهو: احذروا أو اذكروا، وقال الزجاج: وهو محمول على قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا (٣)، ثم قال: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ أي: واتقوا ذلك اليوم، فدل ذكر الاتقاء في الآية الأولى على الاتقاء في هذه الآية، ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كما قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة: ٤٨].
وقوله تعالى: مَاذَا أُجِبْتُمْ، قال الكلبي: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد (٤).
قال أهل المعاني: ومعنى المسألة من الله للرسل التوبيخ للذين أرسلوا إليهم كما قال عز وجل: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨، ٩] وإنما تُسأل ليُوبَّخ قاتلوها (٥).
وقوله تعالى: قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا، قال ابن عباس في رواية عطاء: إن للقيامة زلازل وأهوالًا حتى تزول القلوب من مواضعها، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها، شهدوا لمن صدقهم وشهدوا على من كذبهم، يريد
(٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٢٦.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٢١٨.
(٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٢٦.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٢١٨، "النكت والعيون" ٢/ ٧٨، "زاد المسير" ٢/ ٤٥٣.
أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة فقالوا: لا علم لنا (١)، وهو قول الحسن، ومجاهد، والسدي، قالوا: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم (٢)، واختار الفراء هذا القول (٣).
ونحو هذا قال الكلبي: من شدة هذه المسألة وهول ذلك الموطن، قالوا: لا علم لنا، ثم رجعت إليهم عقولهم، فشهدوا على قومهم أنهم بلغوهم الرسالة، وكيف ردوا عليهم (٤).
ومثل هذا قال مقاتل (٥)، وسفيان الثوري (٦).
قال ابن عباس في رواية الوالبي (٧): إنهم قالوا: لا علم لنا كعلمك، لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا (٨)، وعلى هذا إنما نفوا العلم عن أنفسهم؛ لأن علمهم كلا علم عند علم الله تعالى، وحكى ابن الأنباري عن جماعة أنهم قالوا: معنى الآية: لا حقيقة لعلمنا، إذ كنا نعلم جوابهم وما كان من أفعالهم وقت
(٢) "تفسير الطبري" ٧/ ١٢٥، "بحر العلوم" ١/ ٤٦٦، "تفسير الوسيط" ٢/ ٢٤٤، "تفسير البغوي" ٣/ ١١٦، "زاد المسير" ٢/ ٤٥٣.
(٣) في "معاني القرآن وإعرابه" ١/ ٣٢٤.
(٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٢٦.
(٥) في "تفسيره" ١/ ٥١٥.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) علي بن أبي طلحة وهي من أصح الطرق عن ابن عباس.
(٨) أخرجه الطبري ٧/ ١٢٦ بمعناه، "النكت والعيون" ٢/ ٧٨، البغوي ٣/ ١١٥، "زاد المسير" ٢/ ٤٥٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي