و لأولنا وآخرنا : بدل كل، من ضمير لنا ، لإفادته الإحاطة والشمول كالتوكيد، و( ذلك ) : شرط إبدال الظاهر من ضمير الحاضر، وأعيدت اللام مع البدل للفصل.
قال عيسى ابن مريم مسعفًا لهم لما رأى لهم غرضًا صحيحًا في ذلك، رُوِي أنه لبس جُبَّةَ شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي، وقال : اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا أي : لمتقدمنا ومتأخرنا، يعود علينا وقت نزولها كل عام بالفرح والسرور، فنتخذه عيدًا نحن ومن يأتي بعدنا، و يكون نزولها آية منك على كمال قدرتك وصحة نبوتي، وارزقنا المائدة والشكر عليها، وأنت خير الرازقين أي : خير من يرزق ؛ لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض، ونسبة الرزق إلى غيره مجاز.
والوجه الثاني : ما في قولهم : هل يستطيع ربك من بشاعة التعبير، وسوء اللفظ، حتى اتهموا بالكفر من أجله، وقد تقدم تأويله، وأما سؤالهم المائدة، فقال بعض الصوفية : هي عبارة عن المعارف والأسرار الربانية التي هي قوت الأرواح السماوية، فقوت الأشباح الأرضية ما يخرج من الأرض من الأقوات الحسية، وقوت الأرواح السماوية ما ينزل من السماء من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، ينزل على قلوب العارفين، ثم يبرز منها إلى قلوب عائلة المستمعين، ولما طلبوها قبل إبانها وقبل الاستعداد لها، قال لهم : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ، فلما ألحوا في السؤال، بيَّن الحق لهم أن إنزالها سهل على قدرته، لكن فيه خطر وسوء عاقبة، لأن الحقائق قد تضر بالمريد إذا لم يكمل أدبه واستعداده، فلما بينوا مرادهم من كمال الطمأنينة واليقين ؛ دعا الله ـ تعالى ـ فوعدهم بالإنزال مع دوام الإيمان وكما الإيقان، فمن كفر بها، ولم يعرف قدرها، عذب بعذاب لم يعذبه أحد من العالمين، وهو الطرد والبعد من ساحة حضرة رب العالمين. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي