ولما رأى عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قال : اللهم رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً منَ السماء أي كائنة أو نازلة من السماء، وأصل اللهمّ عند سيبويه وأتباعه : يا ألله، فجعلت الميم بدلاً من حرف النداء، وربنا نداء ثان، وليس بوصف، و تَكُونُ لَنَا عِيداً وصف لمائدة. وقرأ الأعمش «يكون لنا عيدا » أي يكون يوم نزولها لنا عيداً. وقد كان نزولها يوم الأحد، وهو يوم عيد لهم والعيد واحد الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل للفرق بينه وبين أعواد جمع عود، ذكر معناه الجوهري. وقيل أصله من عاد يعود : أي رجع، فهو عود بالواو، وتقلب ياء لانكسار ما قبلها، مثل الميزان والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان، لأنهما يعودان في كل سنة. وقال الخليل : العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه. قوله : لأِوَّلِنَا وَآخِرِنَا بدل من الضمير في لنا بتكرير العامل أي لمن في عصرنا ولمن يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم. قوله : وَآيَةً مِنْك عطف على عيداً : أي دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك، وصحة إرسالك من أرسلته وارزقنا أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة، أو ارزقنا رزقاً نستعين به على عبادتك وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطى سواك، فأجاب الله سبحانه سؤال عيسى عليه السلام فقال : إِنّي مُنَزّلُهَا أي المائدة عَلَيْكُمْ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال : المائدة الخوان، وتطمئن : توقن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : تَكُونُ لَنَا عِيداً يقول : نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن، ومن بعدنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس : أنه كان يحدّث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ؟ فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا : يا معلم الخير، قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً إلى قوله : أَحَداً من العالمين فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم.
وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمار بن ياسر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا لغد، فخافوا وادّخروا، ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير» وقد روي موقوفاً على عمار. قال الترمذي : والوقف أصح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المائدة سمكة وأريغفة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفيّ عنه قال : نزلت على عيسى ابن مريم، والحواريين، خوان عليه سمك وخبز، يأكلون منه أينما تولوا إذا شاءوا. وأخرج ابن جرير نحوه عنه من طريق عكرمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني