قال الله تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام إني منزلها يعني المائدة، قرأ نافع وابن عامر وعاصم مشددا من التفعيل والتفعيل يدل على التكثير مرة بعد أخرى والباقون مخففا من الأفعال عليكم إجابة إلى سؤالكم فمن يكفر بعد نزول المائدة بعد منكم فإني أعذبه عذابا أي تعذيبا مصدر للجنس ويجوز أن يجعل مفعولا به لعى السعة أي أعذبه بعذاب ويراد بالعذاب ما عذب به لا أعذبه صفة لعذابا والضمير للمصدر أو للعذاب بمعنى ما يعذب به على حذف الجر أحد من العالمين أي من عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا فإنهم مسخوا قردة وخنازير لما كفروا بعد نزول المائدة ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وتمام حديث سلمان الفارسي المذكور أنه لما سأل عيسى ذلك ربه نزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال : عيسى عليه السلام : ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى، فقال : شمعون الصفار رأس الحواريين أنت أولى بذكر كثير منا يا رسول الله، فقام عيسى عليه السلام فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال : بسم الله خير الرازقين، فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها قلوسا ولا شوك عليها يسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد، فقال : شمعون يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟فقال : ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة كلوا مما سألتم يمددكم ويزيدكم من فضله، قالوا يا روح الله كن أول من يأكل منها فقال : عيسى عليه السلام ومعاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها سألها فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والمرض وأهل البرص والجذام والمتقعدين والمبتلين وقال : كلوا من رزق الله ولكم المهناء ولغيركم البلاء فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى كلهم الشبعان، وإذا السمكة كهيئتها حين نزلت ثم طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى وإلا عوفي ولا فقير إلا استغنى وندم من لم يأكل منها فلبث أربعين صباحا ينزل ضحى، فإن نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء ولا تزال منصوبة تؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود فأوحى الله إلى عيسى عليه السلام اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا فيها ترون المائدة حقا ينزل من السماء، فأوحى الله تعالى إلى عيسى أني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحد من العالمين، فقال : عيسى عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فمسخ منها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة في فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا فلما أبصرت خنازير عيسى بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام فجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وقال : البغوي : روى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت خبزا ولحما وقيل : لهم إنها مقيمة لكل ما لم تخونوا وتخبئوا فما مضى يومهم حتى خانوا وخبئوا فمسخوا قردة وخنازير، وقال : ابن عباس أن عيسى عليه السلام قال : لهم صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا فلما فرغوا قالوا يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا وسألوا المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم فأكل آخر الناس كما أولهم، وقال : كعب الأحبار نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام إلا اللحم، قال : سعيد بن جبير عن ابن عباس أنزل على المائدة شيء إلا الخبز واللحم، قال : قتادة كان علهما ثمر من ثمار الجنة، وقال : عطية العوفي نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء، وقال : الكلبي : كان عليها خبز رز، وقال : وهب بن منبه أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل، وعن الكلبي : ومقاتل أنزل الله خبزا وسمكا وأرغفة فأكلوا ما شاء الله سبحانه وتعالى والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد، وقالوا يحكم إنما سحر أعينكم فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة ومن أراد فتنة رجع إلى كفره فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا وكذلك كل ممسوخ، وقال : قتادة كانت المائدة تنزل عليهم بكرة وعيشا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل، هكذا أقوال أكثر العلماء، قال : مجاهد والحسن لم تنزل المائدة فإن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يفكر بعضهم فاستعفوا وقالوا لا نريدها فلم ينزل، ومعنى قوله تعالى : إني منزلها عليكم يعني إن سألتم، والصحيح هو الذي عليه الأكثرون وأنها نزلت لقوله تبارك وتعالى إني منزلها عليكم يعني إن سألتم، والصحيح هو الذي عليه الأكثرون أنها نزلت لقوله تبارك وتعالى إني منزلها عليكم ولا خلف في خبره تعالى ولتواتر الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين
التفسير المظهري
المظهري