فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم
بين الله سبحانه وتعالى مقدار الإثم في الاعتداء على أنفس الآحاد، وذكر سبحانه وتعالى أن من قتل نفسا فقد اعتدى على حق الحياة عند كل الناس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها بالقصاص لها فكأنما أحيا الناس جميعا، لأنه يمكن للناس من حياة رافهة هادئة، فيها أمن وفيها استقرار واطمئنان، كما قال سبحانه في آية أخرى، ولكم في القصاص حياة... ( ١٧٩ ) ( البقرة )، ثم ذكر سبحانه وتعالى، الجريمة الكبرى في الاعتداء على الجماعة وخرق حرمات النظام، والانتقاض على الحكام الذين يقيمون الحق والعدل والشرع، وارتكاب القتل والسرقة والاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض وانتهاك الحرمات من غير أي حريجة دينية، وبين أنهم ينالون أقسى العقاب، لأنهم يرتكبون أفحش الجرائم وأفجرها.
وقد ذكر سبحانه وتعالى أن العقوبات لا تكفي وحدها لإيجاد مجتمع فاضل، بل لا بد من تهذيب الأرواح بالتقوى وطلب الوسائل الفاضلة والغايات العالية، وأن يعرفوا أن عقاب الدنيا يهون بجوار عقاب الآخرة، وقد بين بعد ذلك العقوبة المقررة للاعتداء على الأموال، بعد أن ذكر عقوبة الاعتداء على الأنفس منفردة، ثم اجتماع الجرائم بالاعتداء على الأنفس والمال، والخروج على النظام.
وقد توسطت بين هذين النوعين من العقوبة آية الأمر بالتقوى وتذكر الآخرة وما فيها، لأن في ذلك بيانا بأن الصلاح الأول للمجتمع هو اجتثاث الجريمة من النفس بزرع التقوى، ولأن القرآن ليس كتاب قانون تسرد فيه العقوبات سردا، بل هو كتاب هداية وتهذيب وإرشاد وتوجيه إلى الطريق المستقيم، تذكر فيه العقوبة على أنها علاج للجريمة في المجتمع، ثم يذكر مع العقوبة المادية العلاج النفسي والروحي، وهو أجدى وأقوى وأبعد أثرا، وقد ذكر سبحانه وتعالى عقوبة المال في أغلظ جرائمه وهو السرقة فقال تعالى : والسارق والسارقة
الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، والمعنى إذا كان قطع اليد هو العقوبة الرادعة، فإن التوبة تجبها وتقطعها في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط، فمن أقلع عن الذنب وأحس بالندم على ما ارتكبه، واعتزم على ألا يعود إليه، فإن الله سبحانه وتعالى يقبل توبته، وعبر سبحانه وتعالى عن قبوله توبته بقوله : فإن الله يتوب عليه .
أي أنه جلت قدرته، وتعالت عظمته يقابل عمله القلبي في التوبة، والعمل الخارجي بالإصلاح ومنع الفساد، بعمل من جانبه سبحانه وهو أنه يتوب عليه، أي يعينه على التوبة ويقبلها، فقوله تعالى : فإن الله يتوب عليه يتضمن ثلاث معان أولها : المعاونة على التوبة إذا أخلص العبد، وخلص العمل له سبحانه، وأصلح في الأرض بعد الإفساد فيها، وثانيهما قبول التوبة وثالثها تطمين التائب بتأكيد القبول.
وذكر سبحانه أن التوبة الخالصة لا بد أن تقترن بالإصلاح لأن الإذعان القلبي لا يكون كاملا وناميا إلا إذا اقترن به العمل الصالح لأنه يزكيه ويسقيه.
والتعبير بقوله تعالى : من بعد ظلمه إشارة إلى أن السرقة خاصة وارتكاب الذنوب عامة ظلم كبير، وقوله تعالى : وأصلح فيه إشارة إلى أن السرقة إفساد في الأرض والأمانة إصلاح أي إصلاح.
وقد ختم الله سبحانه و تعالى الآية بإثبات رحمته، وأنه سبحانه من صفاته الثابتة الغفران فقال : إن الله غفور رحيم أي أن الله يتوب على عبده إذا أذنب، لأن من صفاته أنه غفور كثير الغفران يتجاوز عن السيئات ويكافئ على الحسنات، لأن ذلك مقتضى رحمته، وهو الرحيم الدائم الرحمة وقد أكد سبحانه ذلك فضل تأكيد ب "إن"، وبإعادة لفظ الجلالة.
وقد أشرنا من قبل إلى أن كثيرين من الفقهاء يقولون : إن التوبة تسقط الحد، وكانت هذه الآية الكريمة : فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه من شواهد ذلك.
والقول الجلي في هذا أن التوبة قبل الترافع إلى السلطان إذا صحبها رد المسروق إلى مالكه تمنع إقامة الحد بالاتفاق، ولكن الخلاف القائم بين الفقهاء في التوبة إذا كانت بعد الترافع وإثبات السرقة، فقد قال أبو حنيفة ومالك : إن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها في هذه الآية هي ما يكون بعد إقامة الحد وقطع اليد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إذا قطعت يد السارق فتاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار" وفوق ذلك فإن التوبة في السرقة كالتوبة في الزنا لا تسقط ( الحد )١، ولقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم حد الزنا، وقال في امرأة أقام عليها الحد :"لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"٢. وفوق هذا وذاك الحد كفارة للذنوب في الدنيا والكفارات تجب مع التوبة.
وقال أكثر الشافعية والحنابلة : التوبة تمنع إقامة الحد وأقاموا على ذلك الأدلة الآتية :
أ- قوله تعالى : فمن تاب من بعد ظلمه فأصلح . وهذا النص مقترن بقوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما . فكان مخصصا للعموم في الأمر بالقطع، وإلا ما اقترن به.
ب- أن الله تعالى اعتبر التوبة مانعة من إقامة حد الحرابة، والحرابة٣ فيها جرائم سرقة وقتل وسرقاتها كبيرة، فكيف تقبل التوبة في السرقات الكبرى ولا تقبل في الصغرى.
ج- ما ورد في الآثار الصحاح مما يثبت أن التوبة تجب ما قبلها وقد قال صلى الله عليه وسلم :"التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
د- أن التوبة السريعة تدل على أن النفس لم تدنس بالرجس، وقد قال تعالى في تحقيق هذا المعنى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب... ( ١٧ ) ( النساء ).
والذي نراه في هذا الموضوع أننا نأخذ برأي الإمامين أبي حنيفة ومالك في الذين يعدون عائدين، فإن هؤلاء لا تقبل منهم توبة، ولا تأخذ العدالة فيهم رأفة، أما الذين لم يكونوا عائدين، فإن التوبة تعفيهم من العقاب إقالة لعثرتهم، ونأخذ في أمرهم برأي أكثر الشافعية والحنابلة.
وإذا كان لنا أن نطالب بإقامة حدود الله وهو واجب علينا فإننا إذا طالبنا بإقامة حد السرقة نطالب به في الحدود الآتية :
أولها : أن يقام الحد على السراق العائدين ليكونوا عبرة المعتبرين.
الثاني : ألا يقام الحد إلا في الحال التي اتفق الأئمة على إقامتها فيه، فلا يقام الحد، وبعض الأئمة لا يرى إقامته.
الثالث : ألا توجد أي شبهة في الإثبات أو في غيره، والله سبحانه بكل شيء عليم، ولقد قال سبحانه : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض .
٢ عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى".(رواه مسلم: الحدود- من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩٦)، كما رواه الترمذي: الحدود (١٤٣٥)، والنسائي: الجنائز (١٩٥٧)، وأبو داود: الحدود(٤٤٤٠)، وابن ماجة: الحدود (٢٥٥٥)، وأحمد: أول مسند البصريين ((١٩٣٦٠)، والدارمي: الحدود (٢٣٢٥))..
٣ إشارة إلى قوله تعالى في سورة المائدة (٣٤): إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم، وقد سبقت..
زهرة التفاسير
أبو زهرة