وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً ( ١ ) مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٣٨ ) فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٣٩ ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ٤٠ ) ( ٣٨ – ٤٠ ).
تعليق على الآية :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا......................
والآيتين التاليتين لها وما ينطوي فيهما من أحكام
عبارة الآيات واضحة. وتحتوي تشريعا في حد السرقة بالنسبة للسارق والسارقة على السواء مع إيذان رباني بقبول توبة من تاب منهما وأصلح.
ولم نطلع على رواية خاصة بمناسبة الآيات. وإنما روى الطبري أن امرأة سرقت حليا، فجاء الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة. فقال : اقطعوا يدها اليمنى، فقالت المرأة : هل من توبة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فأنزل الله : فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ .
والذي يتبادر لنا أن للآيات صلة بالسياق السابق. فقد احتوت الآية ( ٣٢ ) حكما تشريعيا في حق من يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا. وكان ذلك في ظرف ارتداد بعض البدو ونهبهم لذود الإبل الذي منحهم إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتلهم الرعاة، فجاءت هذه الآيات لتستطرد إلى تشريع حد السرقة العادية ليكون الفرق واضحا بين عقوبة السرقة العادية التي تقع خفية وخلسة بدون عنف ودم، وبين تلك الجرائم التي تكون عادة مترافقة مع العنف والدم.
ونرجح أن الآيات الثلاث نزلت معا، وأن الإيذان بقبول توبة السارق قد جاء ليتساوق مع الإيذان بقبول توبة المحارب في الآيات السابقة. ومن المحتمل أن تكون المرأة السارقة سألت عن إمكان التوبة فتليت عليها الآية، فالتبس ذلك على الرواة والله أعلم.
وحد السرقة من الحدود القليلة المعنية في القرآن لبعض الجرائم المهمة.
وجريمة السرقة اعتبرت دائما وفي جميع المجتمعات والظروف من الجرائم المهمة ؛ لأن فيها عدوانا على أموال الغير التي تشغل في المجتمع مقاما رئيسيا بعد مقام الحياة والأعراض والسلامة العامة. فلا غرو أن يرتب القرآن عليها حدا كما رتب على القتل والزنا والفساد في الأرض. ولا غرو أن اشتد في عقوبتها لتكون متكافئة مع خطورتها.
ولقد أثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث فيها دلالة على تشدده في موضوع السرقة وإقامة حدها. منها حديث عن عائشة جاء فيه :( أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة الفتح، فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلمه فيها أسامة، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أتشفع في حد من حدود الله عز وجل، فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها ) ( ١ )١. ومنها حديث عن عبد الله بن عمرو قال :( سرقت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا فقال : قومها فنحن نفديها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقطعوا يدها فقالوا : نحن نفديها بخمسمائة دينار. فقال : اقطعوا يدها فقطعت يدها اليمنى ) ( ٢ )٢ ومنها حديث عن أبي هريرة رواه الخمسة جاء فيه :( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده. ويسرق الحبل فتقطع يده ) ( ٣ )٣.
وفي كتب التفسير ( ٤ )٤بيانات متنوعة في صدد ما ينطوي في الآيات من أحكام نوجزها فيما يلي مع ما يعن للبال من تعليق :
١- إن حد السرقة لا يقام إلا على العاقل البالغ. وهذا طبيعي ؛ لأن العقل والبلوغ هما اللذان يجعلان الإنسان محلا للتكليف ) ( ٥ )٥.
٢- وقال الخازن : إن العلم بحرمة السرقة وحدها أيضا شرط لإقامة الحد، ولم يذكر سندا. ومثل على ذلك بالمسلم الحديث العهد الذي لا يعرف أن السرقة في الإسلام حرام تستوجب الحد. ولسنا نرى هذا وجيها. فالآية من جهة مطلقة، والسرقة من جهة ثانية من الجرائم العامة التي هي محرمة في كل شريعة، ولا يمكن أن يجهل أحد أن فاعلها ينجو من عقاب.
٣- اختلف في النصاب الذي يقطع به بسبب اختلاف المأثور من السنة النبوية. فهناك حديث رواه الخمسة عن عائشة قالت :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) ( ١ )٦وهناك حديث عن ابن عمر رواه البخاري ومسلم والترمذي :( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم ) ( ٢ )٧وهناك حديث عن ابن عباس رواه أبو داود والنسائي :( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم ) ( ٣ )٨فذهب بعض أئمة الفقه إلى اعتبار النصاب الأدنى ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم – وقيمة الدراهم الثلاثة كانت تقارب قيمة ربع الدينار – وذهب آخرون إلى اعتبار النصاب الأدنى دينارا أو عشرة دراهم. وبناء على ذلك فمن سرق دون النصاب الأدنى لا يقطع. وهذا التشريع النبوي متمم للتشريع القرآني ؛ حيث أوضح ما سكت عنه القرآن.
والمتبادر أن النصاب الأدنى سواء أكان ربع دينار أم دينارا إنما حدد حسب ظروف البيئة النبوية ؛ وهذا يورد على البال سؤالا عما إذا كان يصح أن يكون النصاب عرضة لتقدير ولي الأمر في حالة تغير الظروف والقيم وتطورها ؟ ونميل إلى الإيجاب والله أعلم.
ولقد لاح لنا إلى هذا حكمة سامية في جعل النصاب الذي لا يقطع به ضئيلا، فالذي يسرق القليل يسرق الكثير. والعقوبة إنما استهدفت زجر المجرم وردع غيره عن الجريمة. فإذا ما عرف أن اليد عرضة للقطع مقابل القليل ارتدع عن القليل والكثير معا. ولعل حديث أبي هريرة الذي رواه الخمسة والذي جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) مما يدعم ذلك والله أعلم.
٤- والعلماء متفقون على أن القطع إنما يكون في سرقة مال محرز أي موضوع في مكان من العادة أن يعتبر حرزا، ومسور عليه ولو لم يكن عليه حارس، ويدخل في ذلك الخيمة. ولا يوجبون القطع على من أخذ شيئا موضوعا في مكان غير محرز ولا حارس عليه أو بهيمة في برية لا راعي لها. ويظهر أنهم اعتبروا أن مثل ذلك لا يتصف بوصف السرقة، ولا يخلو هذا من وجاهة ؛ لأن آخذه قد يكون أخذه على أنه مهمل متروك.
٥- وهناك من أسقط القطع عن جاحد المتاع المستعار أو جاحد الأمانة أو الذي يأخذ شيئا بطريقة الاختطاف والاختلاس العياني استنادا إلى حديث رواه أصحاب السنن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ) ( ١ )٩ وعللوا حكمة ذلك بإمكان استرداد المأخوذ خطفا أو نهبا والأمانة والمعار بالبينة ؛ ولأن مثل هذا العمل لا يتصف بوصف السرقة. ولا يخلوا القول من وجاهة.
٦- ومما ذكره الخازن أن لا قطع على سرقة مال للسارق فيه شبهة حق كالولد يسرق من مال أبيه أو الوالد من مال ابنه أو العبد من مال سيده أو الشريك من مال شريكه. ولم يذكر المفسر سندا لقوله. ولم نر مفسرا آخر ذكر ذلك ويمكن أن تكون الأحاديث المروية في درء الحدود بالشبهات التي أوردناها في سياق تفسير الآية ( ٢٤ ) في سورة النساء سندا لذلك.
٧- وأكثر العلماء على أنه لا قطع على آكل الثمر من البستان. وقد روي في صدد ذلك حديثان. واحد رواه أصحاب السنن عن رافع بن خديج قال :( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر )١٠. وثانيهما رواه أبو داود وأحمد والنسائي عن عبد الله بن عمرو قال :( سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الثمر المعلق فقال : من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة )١١.
٨- ولقد فسر شراح الحديث كلمة ( العقوبة ) في هذا الحديث بالتعزير حتى يرتدع السارق. ويكون في تعزيره عبرة لغيره. وقد أوجب العلماء بناء على ذلك تعزير سارق ما هو أدنى من النصاب من المال المحرز، وهذا حق. فالجريمة مهما تفهت لا يجوز أن تذهب بدون عقوبة.
غير أن حديث عبد الله بن عمرو الذي يسمح لذي الحاجة بأكل الثمر من البستان بدون عقوبة بفتح الباب للسؤال عن حكم السارق الذي يسرق عن عوز شديد لسد جوعه أو جوع عياله إذا ما ثبت ذلك لدى الحاكم. ولقد أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عدم قطع سارق سرق في عام قحط ليسد جوعه. ولقد حرم الله أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، واستثنى المضطر في حالة الجوع وخطره وعفا عنه. فهلا يصح أن يقال بجواز إعفاء مثل هذه الحالات الاضطرارية إذا ثبتت لدى الحاكم ولم تعد عند صاحبها حرفة، ولم تعد نطاق الاضطرار. ونحن نميل إلى الإيجاب استئناسا بالتلقين القرآني والنبوي والراشدي. ولا سيما إذا لاحظنا واقع أمر حكام المسلمين وأغنيائهم. فقد جعل القرآن للفقراء والمساكين والأرقاء والمعسرين أنصبة وحقا في كل مورد من موارد بيت المال من فيء وغنائم وصدقات – أي الزكاة – وأوجب على الحكام والأغنياء أداءها لهم بحيث لو فعلوا ذلك بحق لاكتفى كل ذي حاجة ولقضي على العوز والجوع، فلم يقوموا بما أوجبه الله عليهم، وبقي الفقراء والمساكين مرتكسين في أشد حالات البؤس والعوز والشقاء. والله تعالى أعلم.
٩- والعلماء متفقون على أن القطع هو عمل قضائي ينفذ بأمر ولي الأمر. وهم متفقون كذلك على أن السرقة تثبت بالاعتراف أو البينة. وهذا وذاك حق.
١٠- وقطع اليد هو قطع الرسغ أي لا يصل إلى المرفق. وهناك حديث عن فضالة بن عبد الله رواه أصحاب السنن :( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه ) ( ١ )١٢ وهذا يؤيد ذاك كما هو المتبادر.
١١- وقد اختلف العلماء في تكرر القطع بتكرر الجرم. فهناك من قال بقطع اليد اليمنى في المرة الأولى والرجل اليسرى في الثانية واليد اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة ثم يعزر ويحبس. ورووا في تأييد ذلك حديثا نبويا عن أبي هريرة وعن أبي بكرة لم يرد في أي من الكتب الخمسة جاء فيه :( إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ) ( ٢ )١٣وقد قال المفسر البغوي الذي أورد هذا الحديث : إن مالكا والشافعي أخذ به. وهناك من قال : تقطع اليد اليمنى في
التفسير الحديث
دروزة