ثم تكلم على ما يتعلق باللسان، وهو الأمر الخامس مما تضمنته السورة، فقال :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
قلت : الباء في : بأفواههم متعلقة بقالوا.
قلت : ومن الذين هادوا : يُحتمل أن يكون عطفًا على الذين قالوا أي : لا يحزنك شأن المنافقين واليهود، و سماعون : خبر، أي : هم سماعون، ويحتمل أن يكون استئنافاً، فيكون سماعون : مبتدأ على حذف الموصوف، و من : خبر، أي : ومن الذين هادوا قوم سماعون، واللام في : للكذب : إما مزيدة للتأكيد، أو لتضمين السماع معنى القبول، وجملة لم يأتوك : صفة لقوم، وجملة يحرّفون : صفة أخرى له.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الرسول لا يحزنك صنع المنافقين، الذين يسارعون في الكفر أي : يقعون فيه سريعًا، فيظهرونه إن وجدوا فرصة، ثم بينهم بقوله : من الذين قالوا آمنا قالوه بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، فلا يهولنّك شأنهم ولا تحتفل بكيدهم، فإن الله سيكفيك أمرهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ومن الذين هادوا صنف سماعون للكذب أي : كثيروا السماع للكذب والقبول له، وهم يهود بني قريظة، سماعون لقوم آخرين وهم يهود خيبر، لم يأتوك أي : لم يحضروا مجلسك، تكبرًا وبغضًا، يُحرفون الكلم من بعد مواضعه أي : يميلونه عن مواضعه الذي وضعه الله فيها، إما لفظًا أو تأويلاً : يقولون : أي : الذين لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يهود خيبر : إن أُوتيتم هذا فخذوه أي : إن أوتيتم هذا المحرّف وأفتاكم محمد بما يوافقه فخذوه، وإن لم تُؤتوه بأن أفتاكم بغيره فاحذروا أن تقبلوا منه.
وسبب نزولها : أن شريفًا مِن يهود خَيْبَرَ زنى بِشريفة منهم، وكانا مُحصنَين، وكرهوا رجمهما، فأرسلوا مع رَهطِ منهم إلى بَني قريظة ليسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم : إن أمَرَكُم بالجَلّد والتَّحمِيم١ فَاقبلُوا، وإن أمَرَكُم بالرَّجم فاحذروا أن تقبلوه منه، فأتوا رسولَ الله صلى عليه وسلم بالزَّانِيين، ومعَهما ابن صوريا، فاستفتوه صلى الله عليه وسلم، فقال لابن صوريا : أنشُدكَ اللهَ الذي لا إله إلا هُو، الذِي فَلَق البَحرَ لمُوسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكُم وأغْرَقَ آلَ فِرعَونَ، والذِي أنزل علَيكُم كِتَابه، وأحلَّ حَلاله وحرَّم حَرَامه، هل تجد فيهم الرَّجمَ على من أحصن ؟ فقال : نعم، فوثبوا عليه، فقال : خِفتُ إن كَذبتَه أن ينزل علينا العذاب، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالزَّانِيين فرُجِمَا عندَ باب المسجد، وفي رواية : دعاهم إلى التوراة فأتوا بها، فوضع ابن صوريا يده على آية الرجم، وقرأ ما حولها، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك، فإذا آية الرجم تلوح، فرجما.
وفي القصة اضطراب كثير. ولعل القضية تعددت.
قال تعالى : ومن يُرِد الله فتنته أي : ضلالته أو فضيحته، فلن تملك له من الله شيئًا أي : تقدر على دفعها عنه، أولئك الذين لم يُرد الله أن يُطهر قلوبهم من الكفر والشرك، لَهُم في الدُّنيَا خزيٌ أي : هوان وذل ؛ بضرب الجزية والخوف من المؤمنين، ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو الخلود في النيران.
الإشارة : من شأن العارفين بالله تذكير عباد الله، ثم ينظرون إلى ما يفعل الله، فلا يحزنون على من لم تنفعه الموعظة، ولا يفرحون بسبب نجاح موعظتهم، إلا من حيث موافقة رضا ربهم، فهم في ذلك على قدم نبيهم، آخذين بوصية ربهم. والله تعالى أعلم.
قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : من كان من فقراء الزمان يسمع الغناء، ويأكل أموال الظلمة، ففيه نزعة يهودية، قال تعالى : سماعون للكذب أكالون للسحت . هـ.
فإن جاؤوك أيها العارف، يستخبرونك، ويخاصمونك في الأمر بخرق العوائد، ويزعمون أنهم موافقون للسنة، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، وهو الأخذ بكل ما يقتل النفوس، ويجهز عليها، إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك أو يخاصمونك، وعندهم القرآن فيه حكم الله بذلك، قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [ العَنكبوت : ٦٩ ]، ولا يكون جهاد النفس إلا بمخالفتها، وقتلها بترك حظوظها وهواها. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي