يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( المائدة : ٤١-٤٣ ).
تفسير المفردات : الحزن : ألم يجده الإنسان عند فوت ما يحب وسارع إلى الشيء : إذا أسرع إليه من خارج ليصل إليه وأسرع فيه : إذا أسرع فيه وهو داخل فيه وهنا كان الكفار داخلين في ظرف الكفر محيطا بهم سرادقه
المعنى الجملي : أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر عن البراء بن عازب قال :'' مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما١ مجلودا فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : اللهم لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم :'' اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه '' وامر به فرجم فأنزل الله يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر- إلى قوله – إن أوتيتم هذا فخذوه
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمر قال : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فقال :'' ما تجدون في كتابكم ؟ '' قالوا : نسخم وجوههما ويخزيان قال :'' كذبتم إن فيها الرجم '' فَأَتَوا بٍِالتوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِِِِِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينِ ( المائدة : ٩٣ ) فجاؤوا بالتوراة وجاؤوا بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها يده عليه فقيل له : ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح ( أي آية الرجم ) فقالوا : يا محمد إن فيها الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فلقد يجأ عليها ( ينحني ) يقيها الحجارة بنفسه.
الإيضاح : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر خاطب الله محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله يأيها النبي في مواضع كثيرة وما خاطبه بيأيها الرسول إلا في هذا الموضع وموضع آخر بعده يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ( المائدة : ٦٧ ) وهذا الخطاب للتشريف والتعظيم وتأديب المؤمنين وتعليمهم أن يخاطبوه بوصفه كما كان يفعل بعض أصحابه بقولهم ( يا رسول الله ) وجهل هذا بعض الأعراب لخشونتهم وسذاجة فطرتهم فكانوا ينادونه ( يا محمد ) حتى أنزل الله لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا ( النور : ٦٣ ) فكفوا عن ندائه باسمه.
أي لا تهتم أيها الرسول بهؤلاء المنافقين الذين يسارعون في إظهار الكفر والتحيز إلى أعدائه المؤمنين عند ما يرون الفرصة سانحة فالله يكفيك شرهم ويقيك ضرهم وينصرك عليهم وعلى من شايعهم وناصرهم.
و النهي عن الحزن وهو أمر طبعي وليس للإنسان اختيار فيه يراد به النهي عن لوزامه التي يفعلها الناس مختارين من تذكر المصايب وتعظيم شأنها وبذا يتجدد الألم ويبعد أمد السلوى.
ثم بين أن أولئك المسارعين في الكفر من المنافقين ومن اليهود فقال :
من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم أي لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين الذين ادعوا الإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم.
ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك الذين هادوا هم اليهود والمراد بالسماع سماع القبول والاعتقاد بصحة ما يقال والمراد بالكذب ما يقوله رؤساؤهم في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أحكام دينهم التي يتلاعبون فيها بأهوائهم.
أي إن هؤلاء القوم كثيرو الاستماع لكلام الرسول صلوات الله عليه والإخبار عنه لأجل الكذب عليه بالتحريف واستنباط الشبهات فهم جواسيس بين المسلمين لأعدائهم يبلغون الرؤساء أعداء الإسلام كل ما يقفون عليه ليكون ما يفترون عليه من الكذب متقبلا لأنه مبني على وقائع معينة يزيدون في روايتها وينقصون ويحرفون منها ما يحرفون وقد جرت العادة بأن الكذب لا يجد له نفوقا بين الناس إلا ممن يشاهد ويرى أما البعيد فيظهر اختلاق كذبه سريعا ولهذا كانوا ينقلون تلك الأكاذيب لمن لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم من الرؤساء وذوي الكيد ليسمعوا منه بآذانهم إما كبرا وتمردا وإما خوفا على أنفسهم وهذا معنى قوله : سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي سماعون لأجلهم.
يحرفون الكلم من بعد مواضعه أي يحرفون كلم التوراة من بعد وضعه في مواضعه إما تحريفا لفظيا بإبدال كلمة بكلمة أو بإخفائه وكتمانه أو بالزيادة فيه أو بالنقص منه وإما تحريفا معنويا بحمل اللفظ على غير ما وضع له.
يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا أي يقولون لمن أرسلوهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكم الرجل والمرأة اللذين زنيا منهم وأردوا أن يحابوهما بعدم رجمهما إن أعطاكم محمد رخصة بالجلد عوضا عن الرجم فخذوها وراضوا بها وإن حكم بالرجم فاحذروا قبول ذلك ولا ترضوا به.
و قد سبق أن ذكرنا أنهم جاؤوا فسألهم عن حد الزناة في التوراة فقالوا : نفضحهم ويجلدون وجاؤوا بالتوراة فوضع أحدهم يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع فإذا هي آية الرجم فاعترفوا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وظهر كذبهم وعبثهم بشريعتهم وكتابهم.
ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أي ومن يرد الله أن يختبر في دينه فيظهر الاختبار كفره وضلاله فلن تملك له أيها الرسول من الله شيئا من الهداية والرشد فهؤلاء المنافقون والجاحدون من اليهود قد أظهرت لك فتنة الله واختباره إياهم مقدار فسادهم فهم يقلبون الكذب دون الحق وهم محرفون كاتمون لأحكام كتابهم إتباعا لأهوائهم ومرضاة لرؤسائهم وذوي الجاه فيهم :
فلا تحزن بعد ان هذا على مسارعتهم في الكفر ولا تطمع في جذبهم إلى الإيمان فإنك لا تملك لأحد نفعا وإنما عليك البلاغ والبيان ولاتخف عاقبة نفاقهم فإنما العاقبة للمتقين من أهل الإيمان ولهم الخزي والهوان
أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم أي إن أولئك الذين بلغت منهم الفتنة ذلك المبلغ هم الذين لم يريد الله تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق لأن إرادته إنما تتعلق بما اقتضته سننه العادلة في نفوس البشر من أنها إذا دأبت على الباطل ومرنت على الكيد والشر وألفت الخلاف والضر تحيط بها خطيئتها وتطبق عليها ظلمتها فلا يبقى لديها لنور الحق منفذ وتصبح غير قابلة للاستبصار والاعتبار الذي جعله الله وسيلة للاتعاظ والهداية فهؤلاء الرؤساء من اليهود وأعوانهم لا تقبل طباعهم سواها فلا تتعلق إرادته سبحانه بتطهيره وإلا كان ذلك خلافا لما اقتضته سننه وتبديلا لنظمه في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم فخزي المنافقين في الدنيا هتك أستارهم باطلاع الرسول على كذبهم وخوفهم من القتل وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نصوص كتابهم في إيجاب الرجم وعلو الحق على باطلهم وقد صدق الوعيد على كل يهود الحجاز كما يصدق على كل من يفسدون كفسادهم ولا يغني عنهم الانتساب إلى نبي لم يتبعوه ولا تنفعهم دعوى الإيمان بكل نبي لم يتبعوه وعذابهم في الآخرة نجزم بحصوله ولا نعلم مقدار كنهه وحقيقة أمره.
المعنى الجملي : أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر عن البراء بن عازب قال :'' مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما١ مجلودا فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : اللهم لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم :'' اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه '' وامر به فرجم فأنزل الله يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر- إلى قوله – إن أوتيتم هذا فخذوه
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمر قال : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فقال :'' ما تجدون في كتابكم ؟ '' قالوا : نسخم وجوههما ويخزيان قال :'' كذبتم إن فيها الرجم '' فَأَتَوا بٍِالتوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِِِِِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينِ ( المائدة : ٩٣ ) فجاؤوا بالتوراة وجاؤوا بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها يده عليه فقيل له : ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح ( أي آية الرجم ) فقالوا : يا محمد إن فيها الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فلقد يجأ عليها ( ينحني ) يقيها الحجارة بنفسه.
تفسير المراغي
المراغي