قوله تعالى: أَفَحُكْمَ : الجمهورُ على ضم الحاء وسكون الكاف ونصب الميم، وهي قراءةٌ واضحة. «حكمَ» مفعول مقدم، و «يبغون» فعل وفاعل، وهو المستفهم عنه في المعنى، والفاءُ فيها القولان المشهوران: هل هي مؤخرة على الهمزة وأصلُها التقديمُ، أو قبلَها جملةٌ عطَفَتْ ما بعدها عليها تقديره: أَيَعْدِلون عن حكمِك فيبغون حكمَ الجاهلية؟ وقرأ ابن وثاب الأعرج وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن برفع الميم، وفيها وجهان، أظهرُهما: - وهو المشهورُ عند المُعْرِبين - أنه مبتدأ، و «يبغون» خبره، وعائد المبتدأ محذوفٌ تقديرُه: «يَبْغُونه» حملاً للخبرِ على الصلة. إلا أن بعضهم جعلَ هذه القراءة خطأً، حتى قال أبو بكر بن مجاهد: «هذه القراءةُ خطأ» وغيرُه يجعلُها ضعيفةً، ولا تبلغُ درجة الخطأ، قال ابن جني في قول ابن مجاهد: «ليس كذلك، ولكنه وَجْهُ غيرِه أقوى منه، وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم:
| ١٧٣ - ٩- قد أصبحَتْ أمُّ الخيارِ تَدَّعي | عليَّ ذنباً كلُّه لم أَصْنَعِ |
| ١٧٤ - ٠- وخالدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا | بالحقِّ، لا يُحْمَدُ بالباطلِ |
والوجه الثاني من التوجيهين المتقدمين أن يكونَ «يبغون» ليس خبراً للمبتدأ، بل هو صفةٌ لموصوفٍ محذوف وذلك المحذوفُ هو الخبر، والتقدير: أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وحَذْفُ العائِد هنا أكثرُ لأنه كما تقدَّم يكثُر حَذْفُه من الصلةِ، ودونَه من الصفةِ، ودونَه من الخبر، وهذا ما اختاره ابنُ عطية وهو تخريجٌ ممكنٌ، ونَظَّره بقوله تعالى: {مِّنَ الذين صفحة رقم 297
هَادُواْ يُحَرِّفُونَ} [النساء: ٤٦] أي: قومٌ يُحَرِّفون «يعني في حذف موصوفٍ وإقامة صفتِه مُقامه، وإلا فالمحذوفُ في الآية المنظَّرِ بها مبتدأٌ، ونظَّرها أيضاً بقوله:
١٧٤ - ١- وما الدهرُ إلا تارتانِ: فمنهما... أموتُ وأُخْرى أبتغي العيشَ أكدحُ
أي: تارةً أموت فيها. وقال الزمخشري:» وإسقاطُ الراجع عنه كإسقاطِه في الصلة، كقوله: أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً [الفرقان: ٤١] وعن الصفةِ: «في الناس رجُلان: [رجلٌ] أهنْتُ، ورجلٌ أكرمت» أي: رجلٌ أهنته ورجلٌ أكرمته، وعن الحالِ في نحو: «مررت بهند يضرب زيد» قال الشيخ: «إنْ عَنَى التشبيه في الحذف والحسن فليس كذلك لِما تقدَّم ذكرُه، وإن عنى في مطلق الحذفِ فَمَسَلَّم».
وقرأ الأعمش وقتادة: «أَفَحَكَمَ» بفتح الحاء والكاف ونصب الميم، وهو مفردٌ يراد به الجنس لأن المعنى: أحُكَّامَ الجاهلية، ولا بد من حذف مضاف في هذه القراءة هو المُصَرَّحُ به في المتواترة تقديره: أَفَحُكْمَ حُكَّام الجاهليةِ.
والقُرَّاء غيرَ ابنِ عامر على «يَبْغُون» بياء الغيبة نسقاً على ما تقدَّم من الأسماء الغائبة. وقرأ هو بتاء الخطاب على الالتفاتِ ليكون أبلغَ في زَجْرهم
وَرَدْعِهِم ومباكتته لهم، حيث واجهَهم بهذا الاستفهام الذي يَأْنَفُ منه ذَوُو البصائِر.
و «حُكْماً» نصباً على التمييز. وقوله: لقوم في هذه [اللام] ثلاثةُ أوجهٍ أحدها: أن يتعلَّقَ بنفسِ «حكماً» إذ المعنى أنَّ حكمَ اللَّهِ للمؤمن على الكافر، والثاني: أنا للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوف كهي في «سُقْياً لك» هَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣] وهو رأي الزمخشري، وابن عطية قال شيئاً قريباً منه، وهو أن المعنى: «يُبَيِّن ذلك ويُظْهِرُه لقوم» الثالث: أنها بمعنى «عند» أي: عند [قوم] وهذا ليس بشي. ومتعلَّقُ «يوقنون» يجوز أن يُراد، وتقديرُه: يوقنون بالله وبحكمه، أو بالقرآن، ويجوز ألاَّ يُرادَ على معنى وقوع الإِيقان، وإليه ميلُ الزجاج فإنه قال: «يوقنون: يتبيِِّنون عَدْلَ اللِّهِ في حكمه».
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط