ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

هذه الآيات تتمة السياق. بين الله تعالى شأنه إنزال التوراة ثم الإنجيل على بني إسرائيل، وما أودعه فيهما من هدى ونور، وما حتم عليهم من إقامتهما، وما شدد عليهم من إثم ترك الحكم بهما فناسب بعد ذلك أن يذكر إنزاله القرآن على خاتم النبيين والمرسلين، ومكانه من الكتب التي قبله، وكون حكمته تعالى اقتضت تعدد الشرائع ومناهج الهداية – فتلك مقدمات ووسيلة، وهذا هو المقصد والنتيجة.
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ الجمهور يبغون بفعل الغيبة لأنه حكاية عن اليهود، وقرأه ابن عامر ( تبغون ) على الالتفات لمخاطبتهم، والاستفهام للإنكار والتعجيب المتضمن للتوبيخ، أي أيتولون عن حكمك بالحق فيبغون حكم الجاهلية المبني على الهوى وترجيح القوي على الضعيف ؟ روي أن هذا نزل في خصومه مما كان بين بني النضير وبني قريظة من جعل دية القريظي ضعفي دية النضيري لمكان القوة والضعف.
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي لا أحد أحسن حكما من حكم الله تعالى لقوم يوقنون بدينه، ويذعنون لشرعه، لأن هذا الحكم يجمع الحسنين : منتهى العدل والتزام الحق من الحاكم، ومنتهى القبول والإذعان من المحكوم له والمحكوم عليه. وهذا مما تفضل به الشريعة الإلهية القوانين البشرية. وقيل إن اللام هنا بمعنى عند أو للبيان، أي أن حكمه تعالى أحسن الأحكام عند الموقنين وفي نظرهم، وإن جهل ذلك غيرهم. ومضمون الآية أن مما ينبغي التعجيب منه من منكراتهم أنهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر ويؤثرونه على حكم الله العادل، والحال أن حكمه تعالى أحسن الأحكام لأهل الإيمان والإسلام. لأن حكمه هو العدل الذي يستقيم به أمر الخلق، وأما حكم الجاهلية فهو تفضيل القوي على الضعيف، الذي يمكن الظالمين الأقوياء من استذلال أو استئصال الضعفاء، وهو شر الأحكام المخرب للعمران المفسد للنظام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:من العبرة في الآيات ( ٤٨-٤٩-٥٠ ) أنه يوجد بين المسلمين الجغرافيين١ في هذا العصر، من هم أشد فسادا في دينهم وأخلاقهم من أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآيات، ومن ذلك أنهم يرغبون عن حكم الله إلى حكم غيره، ويرون أن استقلال البشر بوضع الشرائع خير من شرع الله تعالى، على أنهم لا يعرفون أصول شرع الله ولا قواعده، بل يظنون أنه محصور في هذه الكتب الفقهية – التي أكثر ما فيها من آراء أفراد من المجتهدين والمقلدين، فهم ينتقدون كثيرا منها بعدم موافقتها لمصالح الناس تارة ولأهوائهم تارة أخرى. يحتجون بضرب من الجهل على ضرب آخر.



من العبرة في الآيات ( ٤٨-٤٩-٥٠ ) أنه يوجد بين المسلمين الجغرافيين١ في هذا العصر، من هم أشد فسادا في دينهم وأخلاقهم من أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآيات، ومن ذلك أنهم يرغبون عن حكم الله إلى حكم غيره، ويرون أن استقلال البشر بوضع الشرائع خير من شرع الله تعالى، على أنهم لا يعرفون أصول شرع الله ولا قواعده، بل يظنون أنه محصور في هذه الكتب الفقهية – التي أكثر ما فيها من آراء أفراد من المجتهدين والمقلدين، فهم ينتقدون كثيرا منها بعدم موافقتها لمصالح الناس تارة ولأهوائهم تارة أخرى. يحتجون بضرب من الجهل على ضرب آخر.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير