المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه إنزال التوراة ثم الإنجيل على بني إسرائيل وذكر ما أودعه فيهما من الهدى والنور وما ألزمهم به من إقامتهما وما أوعدهم به من العقاب على ترك الحكم بهما.
ذكر هنا إنزاله القرآن على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من الكتب قبله وأن الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر.
أفحكم الجاهلية يبغون أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله فيبغون حكم الجاهلية المبني على التحيز والهوى لجانب دون آخر وترجيح القوي على الضعيف ؟.
روي : أن بني النضير تحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في خصومة كانت بينهم وبين بني قريظة وطلب بعضهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل وجعل دية القرظى ضعفي دية النضيري لمكان القوة والضعف فقال عليه السلام القتلى بواء ( سواء ) فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت الآية ''.
و خلاصة ذلك : توبيخهم والتعجيب من حالهم بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك كانوا يبغون حكم الجاهلية الذي يجيء به محض الجهل وصريح الهوى.
ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون أي لا أحد أحسن حكما من حكم الله لقوم يوقنون بدينه ويذعنون لشرعه لأنه حكم جامع بين منتهى العدل والحق من الحاكم والقبول والإذعان من المحكوم والمحكوم عليه وبهذا يحصل التفاضل بين الشرائع الإلهية والقوانين البشرية.
و الخلاصة : إن مما ينبغي التعجب منه من احوالهم أنهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر ويؤثرونه على حكم الله العادل وفي الأول تفضيل القوي على الضعيف واستذلاله واستئصال شأفته وفي الثاني العدل الذي يستقيم به أمر الخلق وبه يستتب الأمن والرضا الطمأنينة بين الناس ويشعر كل منهم بالهدوء وراحة الضمير.
تفسير المراغي
المراغي