ثم حذر من صحبة أهل الأهواء، فقال :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِيا أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهُؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء تنتصرون بهم، أو تعاشرونهم معاشرة الأحباب، أو تتوددون إليهم، وأما معاملتهم من غير مودة فلا بأس، ثم علل النهي عن موالاتهم فقال : هم بعضهم أولياء بعض أي : لأنهم متفقون على خلافكم، يوالي بعضهم بعضًا لاتحادهم في الدين، وإجماعهم على مضادتكم، ومن يتولهم منكم فإنه منهم أي : من والاهم منكم فإنه من جملتهم.
قال البيضاوي : وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم " المؤمنُ والمشركُ لا تَتَراءى نَارهَمَا " ١ أو لأن الموالين لهم كانوا منافقين. ه.
وقال ابن عطية : من تولهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن تولاهم بأفعاله من العَضد ونحوه، دون معتقد ولا إخلال بإيمان، فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه. ه. وسُئل ابن سيرين عن رجل أراد بيع داره للنصارى يتخذونها كنيسة، فتلا هذه الآية : ومن يتولهم منكم فإنه منهم . ه. وفي أبي الحسن الصغير : أن بيع غير السلاح للعدو الكافر فسق، وبيع السلاح له كفر.
قلت : ولعله إذا قصد تقويتهم على حرب المسلمين، وأما الفداء بالسلاح إذا لم يقبلوا غيره، فيجوز في القليل دون الكثير، وأجازه سحنون مطلقاً، إذا لم يرج فداؤه بالمال. انظر الحاشية.
إن الله لا يهدي القوم الظالمين أي : ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي