ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

ومن بعد ذلك يقول الحق :
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين( ٥١ ) : نلحظ أن الخطاب هنا للذين آمنوا، والمنهي عنه هو اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وما معنى الولي ؟ الولي هو الناصر وهو المعين، وهذا القول مأخوذ من ولي يلي، أي يقف في جانبه، ونسمي الذي ينوب عن المرأة في عقد النكاح " الولي "، وكذلك " ولي المقتول " والمراد هو : يا من آمنتم لاحظوا تماما أنكم أصحاب مهمة وهي أن تخرجوا الضلالات من البشر هذه الضلالات تمثلت في تحريف ديانات كان أصلها الهدى فصارت في ضلال فإياكم أن تضعوا أيديكم في أيديهم لطلب المعونة والنصرة.
إذن قوله الحق : " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " هو حكم تكليفي وحيثية الإيمان بالله فما دمت قد آمنت بالله فكل من تقدح أنت في إيمانه بمخالفته لمنهج ربه لا يصلح أن يكون مؤتمنا على نصرتك، لأنه لم يكن أمينا على ما معه فهل تتوقع منه أن يعينك على الأمانة التي معك ؟ لا، لأنه لم يكن أمينا على ما نزل عليه من منهج، والولاية نصرة والنصرة انفعال الناصر لمساعدة المنصور، وهل تجد فيهم انفعالا لك ينصرك ويعينك أو يتظاهرون بنصرتك ولتعلموا أنهم سيفعلون ما قاله الحق :
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ( من الآية٤٧سورة التوبة ).
إنهم لو دخلوا في صفوفكم لفعلوا فيكم مثلما يفعل المنافقون، فما بالنا بالذي خانوا أمانة الكتب المنزلة عليهم ؟ إذن فالموالاة والنصرة والمعونة يجب أن تكون من متحد معك في الغاية العليا، ومادام هناك من يختلف مع الإسلام في الغاية العليا وهي الإيمان فلا يصح أن يأمنه المسلم وسبحانه يقول : " بعضهم أولياء بعض ". وقد يتساءل الإنسان : كيف يقول الحق فيهم : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ( من الآية١١٣سورة البقرة ).
ويقول سبحانه أيضا : وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ( من الآي١١٣سورة البقرة ).
ويقول جل شأنه : كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ( من الآية١١٣سورة البقرة ).
نحن إذن أمام ثلاثة أقسام يهود ونصارى ومشركون وقد قال مشركو قريش مثل قول أهل الكتاب بشقيهم برغم أنهم في خلاف متضارب وكل منهم ينكر الآخر، وسبحانه قال : فأغرينا بينهم العداوة ( من الآية١٤سورة المائدة ).
فكيف من بعد ذلك يقول سبحانه : " بعضهم أولياء بعض " ؟ وهذا أمر يحتاج إلى وقفة إيمان لنرى الصورة كاملة، ونعلم أن الذين يخالفون منهج الحق قد يصح أن يكون بينهم خلاف عن السلطات الزمنية لكنهم عندما يواجهون عملاقا قادرا على دحر كل بنيان أكاذيبهم يتفقون معا، وهذا ما نراه في الواقع الحياتي، معسكر الشرق الذي كان يعادي معسكر الغرب، ولكن ما إن يجيء شيء يتصل بالإسلام حتى يتفقوا معا على الرغم من هزيمة المعسكر الشرقي لأن الإسلام بمنهجه خطر على هؤلاء وهؤلاء وعلى سلطاتهم ولكنه في الحقيقة رحمة بهم إنه يخرجهم من الظلمات إلى النور وهم يتصرفون في ضوء ما قاله الحق :" بعضهم أولياء بعض ".
وعندما ينفرد كل منهم بالآخر فإنه ينطبق عليهم قول الحق : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ( من الآية١٤سورة المائدة ).
هكذا نفهم طبيعة العلاقات بين أعداء الإسلام.
ويقول الحق :" ومن يتولهم منكم فإنه منهم " أي أن من يتخذهم نصراء ومعينين فلا بد أنه يقع في شرك النفاق، لأنه سيكون مع المسلمين بلسانه ومع أعداء الإسلام بقلبه.
ويذيل الحق الآية بقوله :" إن الله لا يهدي القوم الظالمين " ونعرف أن الظلم هو نقل حق إلى غير صاحبه، وأعلى مراتب الظلم هو الشرك بالله، وهو الظلم العظيم فالحق يقول : إن الشرك لظلم عظيم ( من الآية١٣سورة لقمان ).
ذلك أن الإنسان حين يظلم إنسانا آخر ويأخذ منه شيئا ليعطيه لآخر فهل هناك إنسان يقدر على أن يأخذ من الله شيئا ؟ لا، فالإنسان لا يستطيع أن يظلم الله، لكنه ينال عقوبة الشرك، وهذا ظلم خائب للنفس والذي يشرك بالله لا يأخذ إلا الخسار، وذلك هو كل الخيبة.
لأن الظلم حينما يحقق للظالم نفعا فهو ظلم هين ولكن الظلم العظيم هو أن يشرك إنسان بالله ولا يأخذ إلا العقاب الصارم فإذا كان المشرك يتأبى على منهج الله في الأشياء فهل يجرؤ على أن يتأبى على قدريات الله غير الاختيارية فيه كالموت مثلا ؟.
والحق يأمر الإنسان بالإيمان ومتعلقات الإيمان من شهادة بوحدانيته وإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والمشرك يتأبى على الإيمان والتكاليف فهل يجرؤ على التأبي على المرض أو الموت ؟ لا، لذلك فهو يظلم نفسه ظلما خائبا والحق سبحانه لا يهديه لأن معنى الهداية هو أن يجد الإنسان من يدله على الطريق الموصل للغاية، فهداه أي دله على الطريق الموصل للغاية ولا يتجنى سبحانه على خلقه فلا يهديهم، بل الذين ظلموا أنفسهم ولم يؤمنوا هم الذين لا ينالون عناية الحق سبحانه وتعالى باختيارهم.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير