قال ابن عباس: إن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا، وشاش بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه، أي نصرفه عن دينه فأتوه صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا أبا القاسم قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك فأتى ذلك رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله تعالى:
أَنْ يَفْتِنُوكَ بدل اشتمال من المفعول أي واحذرهم فتنتهم أو مضاف إليه لمفعول من أجله أي احذرهم مخافة أن يفتنوك أي يصرفوك عن الحق ويلقوك في الباطل فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي أن يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا وهو أن يسلطك عليهم ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء والسبي فالقوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم وذلك كاف في إهلاكهم وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ أهل الكتاب وغيرهم لَفاسِقُونَ (٤٩) أي خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
قرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي برفع «حكم» على أنه مبتدأ. وقرأ قتادة «أبحكم» بالباء الجارة بدل الفاء. وقرئ «فحكم» بفتح الفاء والكاف. أي أفيطلبون حاكما كحكام الجاهلية. وهي إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للمداهنة في الأحكام.
وإما أهل الجاهلية.
قال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد وكتابنا واحد فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا واحدا منهم أخذوا منا مائة وأربعين وسقا من تمر، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جروحاتهم فاقص بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أحكم أن دم القرظي كدم النضيري ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة». فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك عدوّ لنا فأنزل الله تعالى هذه الآية
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكما ولا أحسن منه بيانا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب.
روي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتبرأ عنده من موالاة اليهود، فقال عبد الله بن أبي رئيس المنافقين: لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر. فنزلت هذه الآية. وقال السدي لما كانت واقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس وتخوفوا أن تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا إني أخاف أن تدال علينا اليهود.
وقال رجل آخر: أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا فأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا؟ فجعل إصبعه في حلقه، أي إنه يقتلكم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي بعض كل فريق من ذينك الفريقين أولياء بعض آخر من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يا معشر المؤمنين فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي فهو من أهل دينهم فإنه لا يوالي أحد أحدا إلا وهو عنه راض فإذا رضي عنه رضي دينه فصار من أهل دينه. وهذا على سبيل المبالغة في الزجر عن إظهار صور الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة، أو لأن الموالين كانوا منافقين إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) بموالاة الكفار.
روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتبا نصرانيا، فقال مالك: قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا أما سمعت قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ قلت له دينه ولي كتابته. فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله. قلت: لا يتم أمر البصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام. والمعنى اجعله في ظنك أنه قد مات فما تعمل بعد موته؟ أي فاعمله الآن ميتا واستغن عنه بغيره فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بالنفاق ورخاوة العقل في الدين كعبد الله بن أبي وأصحابه يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في موادة يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة يقرضونهم ويعينونهم على مهماتهم يَقُولُونَ معتذرين عنها إلى المؤمنين نَخْشى أي نخاف خوفا شديدا أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ من دوائر الدهر كالهزيمة والحوادث المخوفة وتكون الدولة للكفار وتقال الدائرة في المكروه كالجدب والقحط. وتقال الدولة في المحبوب. وقال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ لرسول الله على أعدائه وللمسلمين على أعدائهم وبإظهار الدين أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ بقطع أصل اليهود وبإخراجهم عن بلادهم. و «عسى» بمنزلة الوعد وهو من الله تعالى واجب فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) أي فيصير هؤلاء المنافقون نادمين على ما حدّثوا به أنفسهم من أن الدولة أي الغلبة لأعداء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنهم كانوا يشكّون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا.
قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع مع إثبات الواو كما في مصاحف أهل العراق على الاستئناف. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالرفع مع حذف الواو كما في مصاحف أهل الحجاز والشام. على أن الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا في جواب سؤال نشأ من قوله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ كأن القائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ.
وقرأ أبو عمرو بالنصب مع الواو عطفا على «يصبحوا» لا على «يأتي» لأن ذلك القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط. والمعنى يقول المؤمنون مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يولونهم ويرجون دولتهم عند مشاهدتهم لانعكاس رجائهم تعريضا بالمخاطبين أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي غاية أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ بالمعونة فإن المنافقين حلفوا لليهود بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله:
وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ أو المعنى يقول المؤمنون بعضهم لبعض مشيرين للمنافقين متعجبين من حالهم متبجحين بما منّ الله عليهم من إخلاص الإيمان عند مشاهدتهم لإظهارهم الميل إلى موالاة اليهود والنصارى أنهم كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا في ديننا في السر ومن أنصارنا فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم، وهذا أنسب لقراءة الرفع مع إثبات الواو على الاستئناف، أما المعنى الأول فهو أنسب لقراءة النصب ولقراءة الرفع مع حذف الواو، ولقراءة الرفع مع الواو بجعل عطف جملة على جملة والله أعلم. حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطل ما أظهروه من الإيمان وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) في الدنيا والآخرة فاستحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.
قرأ ابن عامر ونافع «يرتدد» بدالين من غير إدغام وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل وقوعها. روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشر فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
الأولى: بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار- ويلقب بالأسود- كان له حمار يقول له: قف، فيقف! وسر، فيسير! وكانت نساء أصحابه يتعطرن بروث حماره وكان كاهنا ادعى النبوة. فكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن وأمرهم بالنهوض إلى حراب الأسود، فقتله فيروز الديلمي على فراشه. والثانية: بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب ادّعى النبوة في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما توفي بعث أبو بكر خالد بن الوليد في جيش كبير وقتل على يد وحشي الذي قتل حمزة رضي الله عنه. والثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد ادّعى النبوة فبعث أبو بكر خالدا فهزمهم وأفلت طليحة فهرب نحو الشام، ثم أسلم أيام عمر وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر.
الأولى: فزارة قوم عيينة بن حصن.
والثانية: غطفان قوم قرة بن سلمة القشيري.
والثالثة: بنو سليم قوم الفجأة بن عبد ياليل.
والرابعة: بنو يربوع قوم مالك بن نويرة.
والخامسة: بعض تميم قوم سجاح بنت المنذر وهي ادّعت النبوة وزوجت نفسها لمسيلمة الكذاب.
والسادسة: كندة قوم الأشعث بن قيس:
والسابعة: بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد فكفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفرقة واحدة في عهد عمر وهي: غسان قوم جبلة بن الأيهم وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر وكان يطوف، فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه، فاشتكى الرجل إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه إلا أن يعفو عنه. فقال: أنا أشتريها بألف، فأبى الرجل، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف، فأبى الرجل إلا القصاص فاستنظر عمر فأنظره، فهرب جبلة إلى الروم وارتد، والمراد بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ كما قال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة. ومعنى يُحِبُّهُمْ أي يلهمهم الطاعة ويثيبهم عليها. ومعنى وَيُحِبُّونَهُ أي يطيعون لأوامره تعالى ونواهيه أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي عاطفين عليهم أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ أي شداد عليهم كما
قال صلّى الله عليه وسلّم: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر»
«١». وكان أبو بكر في أول الأمر حين كان رسول الله في مكة يذب عنه ويلازمه ويخدمه، ولا يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم، وفي وقت خلافته كان يبعث العسكر إلى المرتدين وإلى مانعي الزكاة حتى انهزموا وجعل الله ذلك مبدأ لدولة الإسلام يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لنصرة دين الله وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فالواو للحال أي بخلاف المنافقين فإنهم كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، فمن كان قويا في الدين فلا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه ولومة لائم وهذا الجهاد مشترك فيه بين أبي بكر وعلي، إلا أن حظ أبي بكر في الجهاد أتم، لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار في أول البعث. وفي ذلك الوقت كان الإسلام في غاية الضعف والكفر في غاية القوة وكان يجاهد الكفار ويذب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بغاية وسعه.
وأما علي فإنه كان جهاده في بدر وأحد وفي ذلك الوقت كان الإسلام قويا وكانت العساكر مجتمعة فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي لوجهين: لتقدمه على جهاد علي في الزمان ولأنه كان وقت ضعف الإسلام ذلِكَ أي وصف القوم بالمحبة والشفقة والقوة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ أي كامل القدرة فلا يعجز عن هذا
الموعود عَلِيمٌ (٥٤) أي كامل العلم فيمتنع دخول الحق في أخباره ومواعيده إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ أي إنما ناصركم ومؤنسكم الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) أي منقادون لجميع أوامر الله ونواهيه.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود، وقال:
أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين. وقال جابر بن عبد الله: نزلت في عبد الله بن سلام وذلك أنه جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل. فنزلت هذه الآية فقرأها النّبيّ عليه فقال: رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء.
والمراد بالمؤمنين المذكورين عامة المؤمنين. والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين. وقيل: المراد أبو بكر. وقيل: علي لما روي أن عبد الله بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) أي ومن يتخذهم أولياء في النصرة فإنهم جند الله وجند الله هم الغالبون على أعدائهم بالحجة فإنها مستمرة أبدا، أما بالصولة والدولة فقد يغلبون يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً أي سخرية وَلَعِباً أي ضحكة مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي اليهود والنصارى وَالْكُفَّارَ أي المشركين كعبدة الأوثان أَوْلِياءَ في العون. والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا وسخرية فلا تتخذوهم أحبابا وأنصارا فإن ذلك كالأمر الخارج عن العقل والمروءة.
روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإيمان ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقرأ أبو عمرو والكسائي «والكفار» بالجر ويعضده قراءة أبي «ومن الكفار». وقراءة عبد الله «ومن الّذين أشركوا» فهم من جملة المستهزئين أيضا بخلاف قراءة الباقين بالنصب فلا يفيد أنهم منهم وإنما يستفاد ذلك من آية أخرى وَاتَّقُوا اللَّهَ في موالاتهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) أي حقا فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء بلا شك وَأولئك الذين اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا هم الذين إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ بالآذان والإقامة اتَّخَذُوها أي الصلاة والمناداة هُزُواً وَلَعِباً أي لما اعتدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا: إنها لعب.
روى الطبراني أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله. وقيل: كان المنافقون من اليهود يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها.
وقيل: إن الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا الآذان دخلوا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: يا محمد لقد ابتدعت شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى! فإن كنت نبيا فقد خالفت الأنبياء قبلك فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبح هذا الصوت وهذا الأمر فأنزل الله وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [فصلت: ٣٣] الآية. وأنزل: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية وقد دلّت هذه الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب العزيز لا بمنام الصحابة وحده وجملة وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها من الشرط، والجواب: صلة ثانية للموصول المجرور بمن البيانية وفي الحقيقة إن قوله: اتَّخَذُوها معطوف على أُوتُوا وإن قوله: إِذا نادَيْتُمْ ظرف له كأنه قيل: ومن الذين اتخذوها هزوا ولعبا وقت أذانكم والله أعلم. ذلِكَ أي الاستهزاء المذكور بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن خدمة الخالق المنعم بغاية التعظيم لا تكون مهزوءا بها فإنه أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام. قُلْ بل أشرف الخلق لليهود: يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ أي ما تكرهون من أحوالنا إلا الإيمان بالله وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا أي بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ أي بما أنزل من قبل إنزال القرآن من التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩).
وقرأ الجمهور «أن» بفتح الهمزة أي وما تكرهون من أوصافنا إلا إيماننا بما ذكر واعتقادنا بأن أكثركم خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن الكفر بالقرآن مستلزم للكفر بما يصدقه بلا شك.
وقرأ نعيم بن ميسرة «إن» بالكسر على الاستئناف قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ أي مما قلتم لمحمد وأصحابه.
روي أنه أتى نفر من اليهود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسألوه عن دينه فقال صلّى الله عليه وسلّم: «نؤمن بالله وما أنزل إلينا- إلى قوله- ونحن مسلمون» فحين سمعوا منه صلّى الله عليه وسلّم ذكر عيسى عليه السلام قالوا: لا نعلم شرا من دينكم. فنزلت هذه الآية
أي هل أخبركم بما هو شر مما تعتقدونه شرا. مَثُوبَةً أي عقوبة عِنْدَ اللَّهِ ف «مثوبة» تمييز ل «شر» بمعنى عقوبة للتهكم مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ف «من» موصولة بدل من «شر» أي من أبعده الله من رحمته وَغَضِبَ عَلَيْهِ أي سخط عليهم بانهماكهم بعد سنوح البينات وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ في زمن داود عليه السلام وهم أصحاب السبت وَالْخَنازِيرَ في زمن عيسى عليه السلام بعد أكلهم من المائدة فكفروا.
وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي من أطاع أحدا في معصية الله كالكهنة وهو معطوف على صلة من كقراءة أبي و «عبدوا الطاغوت» كما أفصح عن ذلك قراءة ابن مسعود «ومن عبدوا الطاغوت»، وكقراءة الأعمش والنخعي وعبد مبنيا للمفعول. وكذا على قراءة عبد بفتح العين
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي