قوله تعالى: والصابئون : الجمهور على قراءته بالواو وكذلك هو في مصاحف الأمصار. وفي رفعةِ تسعة أوجه، أحدها: وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعِهما - أنه مرفوع بالابتداء وخبرُه محذوفٌ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقدير: إنَّ الذين آمنوا والذين هادُوا مَنْ آمنَ بهم إلى آخره والصابئون كذلك، ونحوه: «إن زيداً وعمروٌ قائمٌ» أي: إنَّ زيداً قائم وعمرو قائم، فإذا فَعَلْنا ذلك فهل الحذفُ من الأول / أي: يكونُ خبرُ الثاني مثبتاً، والتقدير: إنَّ زيداً قائمٌ وعمروٌ قائم، فحذف «قائم» الأول أو بالعكس. ؟ قولان مشهوران وقد وَرَد كلٌّ منهما: قال:
١٧٦ - ٩-
| نحنُ بما عِنْدنا وأنت بما | عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ |
| ١٧٧ - ٠-........................ | فإني وقَيَّار بها لَغَريبُ |
| ١٧٧ - ١- وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّا وأنتمْ | بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ |
أبينُ هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدُّهم عتياً، وما سُمُّوا صابئين إلا أنهم صَبَؤوا على الأديان كلها أي: خَرَجوا، كما أن الشاعر قدَّم قولَه:» وأنتم «تنبيهاً على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغي من قومِه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو» بُغاةٌ «؛ لئلا يدخُلَ قومُه في البغي قبلهم مع كونِهم أوغَل فيه منهم وأثبت قدماً. فإن قلت: فلو قيل:» والصابئين وإياكم «لكانَ التقديمُ حاصلاً. قلت: لو قيل هكذا لم يَكُنْ من التقديم في شيء لأنه لا إزالةَ فيه عن موضعه، وإنما يُقال مقدمٌ ومؤخرٌ للمُزال لا للقارِّ في مكانه، وتجري هذه الجملة مَجْرى الاعتراض».
الوجه الثاني: أن «إنَّ» بمعنى نعم فهي حرفُ جوابٍ، ولا محلَّ لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وما بعده معطوفٌ عليه بالرفع، وخبرُ الجميع قوله: مَنْ آمَنَ إلى آخره، وكونُها بمعنى «نعم» قولٌ مرجوح، قال به بعضُ النحويين، وجَعَل من ذلك قول تعالى: إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ [طه: ٦٣] في قراءةِ مَنْ قرأه بالألف، وفي الآية كلامٌ طويل يأتي إنْ شاء الله تعالى في موضعِه، وجعل منه أيضاً قولَ عبد الله بن الزبير: «إنَّ وصاحبُها» جواباً لمن قال له: «لَعَن الله ناقة حملتني إليك» أي: نعم وصاحبُها، وجَعَلَ منه قولَ الآخر:
| ١٧٧ - ٢- بَرَزَ الغواني في الشبا | بِ يَلُمْنَني وألومُهُنَّهْ |
| ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا | كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ |
| ١٧٧ - ٤- فَمَنْ يَكُ أمسى بالمدينةِ رحلُه | فإني وقَيَّارٌ بها لغريبُ |
| ١٧٧ - ٥- يا ليتنا وهما نَخْلُو بمنزلةٍ | حتى يَرى بعضُنا بعضاً ونَأْتَلِفُ |
| ١٧٧ - ٦- وإلاَّ فاعلموا أنَّا وأنتمْ | .................. |
١٧٧ - ٧- يا ليتني وأنتِ يا لميسُ... وبقولهم: «إنك وزيدٌ ذاهبان» وكلُّ هذه تَصْلُح أن تكونَ دليلاً للكسائي والفراء معاً، وينبغي أن يوردَ الكسائي دليلاً على جوازِ ذلك مع ظهور إعرابِ الاسم نحو: «إنَّ زيداً وعمروٌ قائمان» وردَّ الزمخشري الرفع على المحل فقال: «فإنْ قلت: هَلاَّ زَعَمْتَ أن ارتفاعه للعطف على محل» إنَّ «واسمها.
قلت: لا يَصِحُّ ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: «إنَّ زيداً وعمرو منطلقان» فإنْ قلت: لِمَ لا يَصِحُّ والنيةُ به التأخيرُ، وكأنك قلت: إنَّ زيداً منطلق وعمرو؟ قلت: لأني إذا رفعته رفعتُه على محل «إنَّ» واسمِها، والعاملُ في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العاملَ في الخبر؛ لأنَّ الابتداءَ ينتظم الجزأين في عمله، كما تنتظِمُها «إنَّ» في عمِلها، فلو رَفَعْتَ «الصابئون» المنويَّ به التأخيرُ بالابتداء وقد رفَعْتَ الخبرَ ب «إنَّ» لأَعْمَلْتَ فيهما رافعين مختلفين «وهو واضحٌ فيما رَدَّ به إلا أنه يُفْهِمُ كلامُه أن يُجيز ذلك بعد استكمال الخبر، وقد تقدَّم أنَّ بعضَهم نَقَل الإِجماعَ على جوازِه.
الخامس: قال الواحدي:» وفي الآيةِ قولٌ رابعٌ لهشام بن معاوية: وهو أَنْ تُضْمِرَ خبرَ «إنَّ» وتبتدئ «الصابئون» والتقدير: «إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا يُرْحَمُون» على قولِ مَنْ يقولُ إنَّهم مسلمون، و «يُعَذَّبون» على قولِ مَنْ يقول إنهم كفار، فيُحْذَفُ الخبرُ إذ عُرِف موضِعُه، كما حُذِف مِنْ قولِه: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ صفحة رقم 359
بالذكر} [فصلت: ٤١] أي: «يُعاقَبون» ثم قال الواحدي: «وهذا القولُ قريبٌ من قولِ البصريين، غيرَ أنَّهم يُضْمِرون خبرَ الابتداءِ، ويَجْعلون» مَنْ آمن «خبرَ» إن «، وهذا على العكس من ذلك لأنه جَعَل» مَنْ آمَن «خبرَ الابتداء وحَذَفَ خبرَ» إنَّ «قلت: هو كما قال، وقد نَبَّهْتُ على ذلك في قولي أولاً: إنَّ منهم مَنْ يُقَدِّر الحذفَ مِن الأول، ومنهم مَنْ يعكس.
السادس: أنَّ» الصابئون «مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ كمذهب سيبويه والخليل، إلا انه لا يُنْوى بهذا المبتدأِ التأخيرُ، فالفرقُ بينه وبين مذهبِ سيبويه نيةُ التأخيرِ وعدمُها. قال أبو البقاء» وهو ضعيفٌ أيضاً؛ لِما فيه من لزومِ الحذفِ والفصلِ «أي: لِما يلزمُ من الجمع بين الحذفِ والفصلِ، ولا يَعْني بذلك أنَّ المكانَ من مواضع الحذف اللازمِ، لأنَّ القرآنَ يلزمُ أَنْ يُتْلَى على ما أُنْزِل، وإنْ كان ذلك المكان في غيره يجوزُ فيه الذكرُ والحذفُ.
السابع: أنَّ» الصابئون «منصوبٌ، وإنما جاء على لغةِ بني الحرث وغيرِهم الذين يَجْعَلون المثَّنى بالألفِ في كل حال نحو:» رأيت الزيدان ومررت بالزيدان «نقلَ ذلك مكي بن أبي طالب وأبو البقاء، وكأنَّ شبهةَ هذا القائلِ على ضَعْفِها أنه رأى الألفَ علامةَ رفعِ المثنى، وقد جُعِلَتْ في هذه اللغةِ نائبةً رفعاً ونصباً وجراً، وكذا الواو هي علامةُ رفعِ المجموعِ سلامةً، فيبقى في حالةِ النصب والجر كما بَقِيت الألف، وهذا ضعيفٌ بل فاسدٌ.
الثامن: أنَّ علامةَ النصبِ في «الصابئون» فتحةُ النون، والنونُ حرفُ الإِعراب كهي في «الزيتون» و «عربون» قال أبو البقاء: «فإنْ قيل: إنما أجاز أبو علي ذلك مع الياءِ لا مع الواوِ قيل: قد أجازه غيرُه، والقياسُ لا يَدْفَعُه» قلت: يشير إلى مسألة وهو: أن الفارسي أجازَ / في بعضِ جموع السلامة وهي ما جَرَتْ مَجْرى المكسِّر كبنين وسنين أن يَحُلَّ الإِعرابُ نونَها، بشرطِ أن يكونَ ذلك مع الياءِ خاصةً دونَ الواوِ فيقال: «جاء البنينُ» قال:
| ١٧٧ - ٨- وكان لنا أبو حسن عليٌّ | أباً بَرّاً ونحنُ له بنينُ |
وقال:
| ١٧٧ - ٩- دعانيَ مِنْ نجدٍ فإنَّ سنينَه | لَعِبْنَ بنا شِيباً وشَيَّبْنَنا مُرْدَا |
نظيرَ «الَّذُوْن» فيقال: «جاء الزيدون ورأيت الزيدون ومررت بالزيدون» ك «جاء الذون ورأيت الذون ومررت بالذون» هذا إذا سُمِّي به، أمَّا ما دام جمعاً فلا أحفظُ فيه ما ذكره أبو البقاء، ومن أَثْبَتَ حجةٌ على مَنْ نفى لا سيما مع تقدُّمِه في العلم والزمان.
التاسع: قال مكي: «وإنما رفع» الصابئون «لأن» إنَّ «لم يظهر لها عملٌ في» الذين «فبقي المعطوفُ على رفعه الأصلي قبل دخول» إنَّ «على الجملةَ» قلت: هذا هو بعينه مذهب الفراء، أعني أنه يجيز العطف على محل اسم «إنَّ» إذا لم يظهر فيه إعراب، إلا أن عبارة مكي لا توافق هذا ظاهراً.
وقرأ أُبي بن كعب وعثمان بن عفان وعائشة والجحدري وسعيد بن جبير وجماعة: «والصابئين» بالياء، ونقلها صاحب «الكشاف» عن ابن كثير، وهذا غير مشهور عنه، وهذه القراءة واضحةُ التخريجِ عطفاً على لفظِ اسم «إنَّ» وإن كان فيها مخالفةٌ لسوادِ المصحفِ فهي مخالفةٌ يسيرة، ولها نظائرُ كقراءة قنبل عن ابن كثير: سراط وبابِه بالسين، وكقراءة حمزة إياه في روايةٍ بالزاي، وهم مرسومٌ بالصاد في سائر المصاحف، ونحو قراءةِ الجميع: إيلافهم بالياء، والرسم بدونها في الجميع.
وقرأ الحسن البصري والزهري: والصابِيُون بكسر الباء بعدها ياء خالصة، وهو تخفيف للهمزة كقراءة من قرأ يَسْتهزِيُون بخلوص الياء، وقد تقدم قراءة نافع في
البقرة. وأما «النصارى» فهو منصوب عطفاً على لفظ اسمِ «إنَّ» ولا حاجةَ إلى ادِّعاء كونِه مرفوعاً على ما رفع به «الصابئون» لكلفةِ ذلك.
قوله تعالى: مَنْ آمَنَ يجوز في «مَنْ» وجهان، أحدهما: أنها شرطيةٌ، وقوله: «فلا خوفٌ» إلى آخره جواب الشرط، وعلى هذا ف «آمن» في محل جزم بالشرط، و «فلا خوف» في محل جزم بكونه جوابَه، والفاءُ لازمةٌ. والثاني: أن تكونَ موصولةً والخبر «فلا خوف»، ودخلت الفاءُ لشبهِ المبتدأ بالشرطِ، ف «آمَنَ» على هذا لا محلَّ له لوقوعه صلةً، و «فلا خوفٌ» محلُّه الرفعُ لوقوعِه خبراً، والفاءُ جائزةُ الدخولِ لو كان في غير القرآن، وعلى هذين الوجهين فمحلُّ «مَنْ» رفعٌ بالابتداء، ويجوز على كونِها مصولةً أن تكونَ في محل نصب بدلاً من اسم «إنَّ» وما عُطِف عليه، أو تكون بدلاً من المعطوف فقط، وهذا الخلافِ في «الذين آمنوا» : هل المرادُ بهم المؤمنون حقيقةً، أو المؤمنون نفاقاً؟ وعلى كلِّ تقدير من التقادير المتقدمة فالعائدُ من هذه الجملة على «مَنْ» محذوفٌ تقديرُه: مَنْ آمَنَ منهم «كما صَرَّح به في موضعٍ آخرَ وتقدَّم إعرابُ باقي الجملة فيما مضى.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط