أمر الرسول بتبليغ الوحي وعصمته من الناس ودعوة أهل الكتاب للإيمان برسالته
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
الإعراب:
وَالصَّابِئُونَ: مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك والنية به التأخير عما في حيّز: إن ومعمولها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك (الكشاف: ١/ ٤٧٤) أو أنه مبتدأ وخبره: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (ابن الأنباري:
١/ ٣٠٠). وقيل: إنه معطوف على الضمير المرفوع في هادُوا وهو ضعيف لأن العطف على المضمر المرفوع المتصل لا يجوز من غير فصل ولا تأكيد.
البلاغة:
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ تعبير فيه غاية التحقير والتصغير.
وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أضاف كلمة الرب إليهم تلطفا معهم في الدعوة.
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ وضع الظاهر الْكافِرِينَ موضع الضمير «عليهم» لإظهار مدى رسوخهم في الكفر.
المفردات اللغوية:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ أي بلّغ جميع ما أنزل إليك، غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف
أن ينالك مكروه. والتبليغ: إعلان الدعوة الإسلامية، وإعلام جميع ما تضمنته من أحكام وأخبار للناس. وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أن يحفظك ويكلؤك ويضمن لك العصمة والصون من أعدائك أي من قتلك، فلا تأبه لهم ولا عذر لك في مراقبتهم. وهذا عدة من الله بالحفظ والكلاءة، ووعد الله منجز إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي من الدين الحقيقي معتد به، أو على دين يعتدّ به حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ بأن تعملوا بما فيه، ومنه الإيمان بالله تعالى وبرسوله خاتم النبيين وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من القرآن طُغْياناً وَكُفْراً لكفرهم بالقرآن فَلا تَأْسَ تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ إن لم يؤمنوا بك، أي لا تهتم بهم.
وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود وَالصَّابِئُونَ الخارجون عن الأديان كلها كما قال الزمخشري، وقال مجاهد: الصابئون: طائفة من النصارى والمجوس ليس لهم دين، وروي عن مجاهد والحسن البصري: هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح.
وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات «١».
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧) :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ:
أخرج أبو الشيخ ابن حيان عن الحسن البصري:
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: إن الله بعثني برسالة، فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أو ليعذبني، فنزلت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما نزلت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ قال: يا ربّ، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي، فنزلت: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ.
وأخرج الحاكم والترمذي عن عائشة قالت: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يحرس، حتى نزلت هذه الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رأسه من القبة، فقال:
«يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله.
قال السيوطي: في هذا الحديث دليل على أن الآية ليلية، نزلت ليلا، فراشية، والرسول في فراشه.
وأخرج ابن حبان في صحيحة عن أبي هريرة قال: كنا إذا أصبحنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه، فنزلت: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أي آية من السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس (أي لا يعلم ممن هم) فنزل علي جبريل فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الآية، فقمت عند العقبة فقلت: أيها الناس، من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي، ولكم الجنة؟.
أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا، ولكم الجنة، قال صلّى الله عليه وسلّم: فما بقي رجل ولا أمة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة، ويقول: كذاب صابئ، فعرض علي عارض، فقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه.
قال السيوطي: وهذا يقتضي أن الآية مكية، والظاهر خلافه.
وقال الرازي: واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت، إلا أن الأولى حملها على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم «١».
نزول الآية (٦٨) :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ:
روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رافع بن حارثة، وسلام بن مسكين، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك، فأنزل الله: قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ إلى قوله: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ «١».
وقال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: ألست تقرّ أن التوراة حق من عند الله؟ قال: بلى، فقالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها، فنزلت الآية
، أي لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، والعمل بما يوجبه ذلك منهما «٢».
المناسبة:
أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين المعتدلين وكثرة الفاسقين من أهل الكتاب، ولا يخشى مكروههم، فقال: بَلِّغْ أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم، فإن الله يعصمك من كيدهم، ويصونك من مكرهم.
(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٥
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم مخاطبا له بصفة الرسالة بإبلاغ جميع ما أنزله الله عليه، فقام بالواجب أتم القيامة، وبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للأمة، فجزاه الله خير الجزاء، قال البخاري عند تفسير هذه الآية من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي. وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: «لو كان محمد صلّى الله عليه وسلّم كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب ٣٣/ ٣٧].
ومعنى الآية يا أيها الرسول المرسل من عند ربه برسالة إلى الناس كافة بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، ولا تخشى في ذلك أحدا، ولا تخف أن ينالك مكروه.
وإن لم تبلغ فورا ما أنزل إليك ولم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، بأن كتمته ولو إلى حين، فما قمت بواجب التبليغ إلى الناس، كما قال تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة ٥/ ٩٩].
والحكمة في هذا الأمر بالتبليغ وتأكيده بقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ.. بجعل كتمان بعضه مثل كتمان كله، مع أن الرسل معصومون من كتمان شيء مما أنزله الله إليهم. هو إعلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأن التبليغ حتم لا يجوز له الاجتهاد بتأجيل شيء عن وقته.
والحكمة بالنسبة للناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص، فلا يختلفوا فيها.
وقد بلغ النبي صلّى الله عليه وسلّم فورا جميع ما أنزل إليه من القرآن، قال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد شهدت له
أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا،
كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في خطبته يومئذ: «أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول:
«اللهم هل بلغت».
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع: «يا أيها الناس، أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، قال: «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام، قال:
«فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مرارا، ثم رفع أصبعه إلى السماء، فقال: «اللهم هل بلغت» مرارا، قال أحمد: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه عز وجل، ثم قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».
ثم أعلن الله لنبيه كفالته وضمانه بعصمته من الناس، أي أنه يحميه من الفتك والقتل ولا يمكن الأعداء مما يريدون، وقد حاول المشركون قتله وقرروا ذلك في دار الندوة بعد موت أبي طالب، فعصمه الله وهاجر إلى المدينة، وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة، والمراد العصمة من القتل، فلا يعترض عليه بأنه تعرض لأذى المشركين في مكة، وفي الطائف، وبعد الهجرة يوم أحد حيث شج في وجهه، وكسرت رباعيته صلوات الله عليه.
روى الترمذي وأبو الشيخ ابن حيان والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن بضعة رجال من الصحابة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية،
وكان العباس ممن يحرسه، فلما نزلت ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحرس».
وروي «أن أبا طالب كان يبعث مع رسول الله من يحرسه إذا خرج حتى نزل وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فذهب ليبعث معه، فقال: يا عم، إن الله حفظني، لا حاجة لي إلى من تبعث».
وعن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحرسه سعد وحذيفة، حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم، وقال: انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمني الله من الناس.
وهذه الآية المكية وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب المأمور به في المدينة، لتدل على تعرض النبي صلّى الله عليه وسلّم لإيذائهم، كما تعرض لإيذاء المشركين، والله عصمه من الفريقين.
وقيل: نزلت الآية بعد يوم أحد، بدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
وللآية معنى أعم في الواقع وهو: بلّغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء» كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة ٢/ ٢٧٢] وقال: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد ١٣/ ٤٠].
ثم كشف القرآن لكل الناس: أهل الكتاب والمسلمين عن حقيقة مهمة جدا هي أن النسبة إلى الدين لا تنفع إلا بالعمل به، فقال: قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي قل يا محمد لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) : لستم على شيء من الدين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل فيما أمرا به من التوحيد الخالص والعمل الصالح، ومما فيهما الإيمان بمحمد والأمر باتباعه والإيمان بمبعثه
والاقتداء بشريعته، وتعملوا بما أنزل إليكم من ربكم، يعني القرآن العظيم، الذي أكمل الله به الدين وختم برسالة محمد رسالات الأنبياء.
ثم كرر تعالى ما ذكر في الآية السابقة (٦٤) : وهو القسم من الله تعالى بأن كثيرا من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن إلا غلوا في تكذيبهم وكفرا على كفرهم، لتعصبهم الموروث وحقدهم وحسدهم حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة ٢/ ١٠٩]، وإهمالهم التفكير بإنصاف وتجرد، فلا تأس على القوم الكافرين، أي لا تحزن يا محمد ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم، لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.
أما القليل منهم الذين آمنوا بالله وحده لا شريك له وبكتبه ورسله، فلا يزيدهم القرآن إلا هدى ورشادا وإسعادا.
وبعد الكشف عن تلك الحقيقة المهمة وضع القرآن قانونا عاما لكل الناس، وهو: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا... أي إن الذين صدقوا بالله ورسوله وهم المسلمون، واليهود حملة التوراة أتباع موسى عليه السلام، والصابئون «١» كذلك الخارجون عن الأديان كلها «٢» والنصارى أتباع المسيح عليه السلام، من آمن منهم «٣» بالله ورسله واليوم الآخر إيمانا صحيحا صادقا، وعمل عملا صالحا، فلا خوف عليهم أبدا من عذاب يوم القيامة، ولا هم يحزنون أبدا على لذات الدنيا ونعيمها ولا على شيء يصيبهم في الآخرة، بل هم في جنات النعيم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية التبليغ على رد قول من قال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، وعلى بطلان هذا القول من الرافضة. ودلت أيضا على أنه صلّى الله عليه وسلّم لم
(٢) ولم يعطف على ما قبله بالنصب لأن الصابئين أشد الفرق المذكورين في الآية ضلالا.
(٣) بدل منصوب من اسم إن وما عطف عليه.
يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدين لأن المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا.
قال ابن عباس: «المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته» وهذا تأديب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه.
ودلت آية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ على نبوته صلّى الله عليه وسلّم لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة، فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به.
ودلت آية: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يرشدهم على أن التوفيق إلى الخير والسعادة محجوب من الله عن الذين كفروا، فهم بسبب كفرهم حجبوا رحمة الله عنهم.
ودلت آية قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ.. على أن اليهود والنصارى ليسوا في الواقع على شيء من الدين حتى يعملوا بما في التوراة والإنجيل والقرآن، فيؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ويعملوا بما يوجبه ذلك عليهم من الكتابين.
ومن كفر يزيده الله كفرا على كفره، ويزيده طغيانا أي تجاوزا الحد في الظلم والغلو فيه.
والعبرة للمسلم من هذه الآية أن يعلم أنه لا يكون على شيء يعتد به من أمر الدين حتى يقيم القرآن، فيهتدي بهديه، ويلتزم بحدوده.
وأومأت آية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا.. إلى أن أهل الكتاب لم يقيموا دين الله، فلا حفظوا نصوص الكتب المنزلة، ولا تركوا ما عندهم على ظواهرها بل أولوها تأويلا فاسدا، ولا آمنوا بالله واليوم الآخر، ولا عملوا الصالحات.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي