بعد ذلك يقول الحق :
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون( ٨ )
إن الحق كما علمنا حين ينادي المؤمنين بقوله :" يا أيها الذين آمنوا " إنه سبحانه لم يقتحم على الناس تصرفاتهم الاختيارية لمنهجه، بل يلزم ويأمر من آمن به ويوجب عليه، فيوضح : يا من آمنت بي إلها حكيما قادرا خذ منهجي ولكن الحق يقول :" يا أيها الناس " حين يريد أن يلفت كل الخلق إلى الاعتقاد بوجوده، أما من يؤمن به فهو يدخل في دائرة قوله الحق : " يا أيها الذين آمنوا " وهذا النداء يقتضي بأن يسمع المؤمن التكليف ممن آمن بوجوده.
ونعلم أننا جميعا عبيد الله لكن لسنا جميعا عباد الله، وهناك فرق بين " عبيد " و " عباد " فالعبيد هم المرغمون على القهر في أي لون من ألوان حياتهم، ولا يستطيعون أن يدخلوا اختيارهم فيه، قد نجد متمردا يقول : " أنا لا أؤمن بإله " ولكن هل يستطيع أن يتمرد على ما يقضيه الله فيما يجريه الله عليه قهرا ؟ فإذا مرض وادعى أنه غير مريض فما الذي يحدث له ؟ أيجرؤ واحد من هؤلاء المتمردين على ألا يموت ؟ لا أحد يقدر على ذلك ؟.
إذن فكل عبد مقهور لله، وكلنا عبيد الله يستدعينا وقتما يريد ويجري علينا ما يريد بما فوق الاختيارات، أما " العباد " فهم الذين يأتون إلى ما فيه اختيار لهم ويقولون لله : لقد نزعنا من أنفسنا صفة الاختيار هذه ورضينا بما تقوله لنا " افعل كذا " و " لا تفعل كذا ". إذن فالعبيد مقهورون بما يجريه عليهم الحق بما يريد والعباد هم الذين يرضون ويكون اختيارهم وفق ما يحبه الله ويرضاه، إنهم أسلموا الوجه لله، فهم مقهورون بالاختيار أما العبيد فمقهورون بالإجبار.
" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله " و " قوام " صفة مبالغة والأصل فيها قائم، فإن أكثر القيام نطلق عليه كلمة " قوام " ومثال ذلك رجل لا يحترف النجارة وجاء بقطعة من الخشب وأراد أن يسد بها ثقب في باب بيته، هذا الرجل يقال له : " ناجر " ولا يقال له : " نجار "، ذلك أن تخصصه في الحياة ليس في النجارة وكذلك الهاوي الذي يخرج بالصنارة إلى البحر، واصطاد سمكتين يقال له :" صائد " لكنه ليس صيادا لأن الصيد ليس حرفته.
إن الحق يطلب من كل مؤمن ألا يكون قائما لله فقط، ولكن يطلب من كل مؤمن أن يكون قواما، أي مبالغ في القيام بأمر الله، والقيام يقابله القعود وبعد القعود الاضطجاع وهو وضع الجنب على الأرض ثم الاستلقاء وبعد ذلك ينام الإنسان، ونحن أمام أكثر من مرحلة : قائم وقاعد ومستلق ونائم والنائم ليس عليه تكليف والمستلقي هو المستريح على ظهره والحق يقول : فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ( من الآية١٠٣سورة النساء ).
أي اجعلوا الله دائما على بالكم، فالإنسان يملك في حالته الطبيعية نشاطا يمكنه أن يقوم ويقعد، فإن قيل : " قام فلان بأمر القوم " أي أنه بذل كل جهد لإدارة أمور الناس، والقيام في حركات الناس أصعب شيء، وسبحانه لا يريد منا أن نكون قائمين فقط، بل يريد أن نكون قوامين ومادمنا قوامين فلن تخلو لحظة من قيامنا أن نكون لله، لله توجها لا نفعا، لأن أية حركة من أي عبد لا تفيد الله في شيء فالله خلق خلقه بمجموع صفات الكمال فيه ولم ينشئ خلقه له صفة جمال أو كمال جديدة، وعندما يؤدي الإنسان أي عمل لله فهو يؤديه طاعة وتقربا لله، وإذا أراد الله من المؤمنين أن يكونوا قوامين لله، عندئذ تكون كل حركات المجتمع الإيماني حركات ربانية متساندة متصاعدة وإذا كانت حركات المجموع الإيماني متساندة فسوف تكون النتيجة لهذه الحركة سعادة البشرية، فالإنسان إذا ما كان قواما فهو قوام لنفسه وللآخرين.
والمراد أن نكون مداومين على قيامنا في كل أمر لله ولا تعتقد أيها المؤمن أنك تعامل خلق الله إنما تعامل الله الذي شرع لك ليضمن لك ويضمن منك، فأنت إن طولبت بالأمانة فقد طولب كل الناس بالأمانة فيما هو خاص بك لا بغيرك، وحين ينهاك الله عن الخيانة فقد أمر الحق الناس جميعا بالانتهاء عن الخيانة لك.
إذن إن نظرت إلى تكليفات الله لوجدتها لصالحك أنت فلا يظنن ظان أن الدين إنما جاء ليقف أمام نفسه هو فالدين وقف أمام النفس لدى الناس جميعا، فحين يأمرك : ألا تمد يدك إلى مال غيرك فأنت واحد من الناس، وفي هذا القول أمر موجه لكل الناس، لا تمدوا أيديكم إلى مال فلان لتسرقوه، فانظر إلى أن الحق حين شرع عليك شرع لك، ولذلك يجب أن يكون كل قيامك لله سبحانه، ولذلك يظهر الحق سبحانه وتعالى في بعض خلقه أشياء وأحداثا تفهم الناس أن الذي يعمل لخلق الله مسلوب النعيم، والذي يعمل لله يكون موصول النعيم، فنجد الواحد من الناس يقول : " لقد فعلت لفلان كذا وكذا وكذا وأنكرني " نقول له : أنت تستحق لأنك صنعت له، ولكنك لو صنعت لله لكفاك الله كل أمر ولذلك يقول الحق عن هؤلاء الذين صنعوا لله : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ( من الآية٣٠سورة آل عمران ).
إذن فالمؤمن يجب أن يوضح حركة قيامه وينميها بمعنى أن يجعل كل حركته لله، فإن كانت كل حركته لله، فالله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا والخاسرون هم الذين يعملون للناس، لأن الناس لا يملكون لهم نفعا وربما تخلوا عنهم وربما أضمرت وحملت قلوبهم الضغن والحقد لمن أحسن إليهم، وربما تحولوا إلى أعداء لهم، فالمصنوع له الجميل قد يعطيه الله بعضا من الجاه، وحين يلقى صانع الجميل بعد ذلك قد تتخاذل نفسه وتذل، ونرى في بعض الأحيان واحدا يجلس بين الناس وقد أخذته العزة، ثم يدخل عليه إنسان كان له فضل عليه، وساعة يراه يكره وجوده في مجلسه ويتمنى ألا يحدث هذا اللقاء، وإذا ما لقيه بعد ذلك في طريق فهو يشيح بوجهه، لأن الذي صنع الجميل يسبب حرجا له، ويجعل نفسه تتضعضع وهو يريد أن يستكبر على الناس إذن فالله يوضح : اعملوا لله لأنه لا يضيع عنده شيء واعلموا أن الله رقيب عليكم ولن يضيع عمل عنده.
وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال :( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )١.
أتستطيع أنت أيها الإنسان أن تصنع في إنسان آخر ما يسوؤه أمامه ؟ أنت تسيء إلى الآخر من وراء ظهره، فلماذا إذن يسيء الواحد منكم إلى الله بالعصيان وهو الناظر إليكم جميعا ؟.
إذن حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن تحسن معاملة نفسك وغيرك فعليك أن تحتسب كل عمل لك عند الله، فقد سخر لنا الحق كل الوجود وأعطانا كل مقومات الحياة، ويوضح لكل واحد منا : يا عبادي اجعل كل قيامك لله، ولا تكن قائما فقط ولكن كن قواما بمعنى أنه مادامت فيك بقية من العافية للعمل فاعمل، ولا تعمل على قدر حاجتك فقط، ولكن اعمل على قدر طاقتك، لأنك لو عملت على قدر حاجتك فإن الذي لا يقدر على العمل لن يجد ما يعيش به.
إذن فاعمل على قدر طاقتك لتتسع حركتك للناس جميعا، ويكون الفائض من عملك لغيرك وحين يقول سبحانه : " كونوا قوامين لله شهداء بالقسط " يعلمنا ألا نضيع مجهودنا هباء، بل نوجه المجهود للعمل ونقوم به لوجه الله، لأنه سبحانه لا ينسى أبدا جزاء عبده، وهو الذي يرد كل جميل إنه سبحانه يقول : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان .
ويقول أيضا : إن الله لا يضيع أجر المحسنين ( من الآية١٢٠سورة التوبة ).
وحين يكون الواحد منا قواما لله يكون قد استغل حركة وجوده لخير خلق الله، وهذا العمل مطلوب منك، ولا يكفي أن تكون حركتك محصورة في ذلك، بل يجب أن تمتد أيضا حركة حياتك لتكون شاهدا بالعدل، وكذلك توجه للعدل من تحدثه نفسه أن ينحرف وحين تكون قواما لله فهذا أمر حسن، وعليك أن تحاول إقناع غيرك بأن يكون قيامه لله بأن تكون شاهدا بالقسط والعدل، وحيث تكون شاهدا بالقسط والعدل لا يتمادى ظالم في ظلمه، فالذي يجعل الظالم يشتد ويستشري ظلمه ويتفاقم شره هو أنه يجد من يدلسون على العدالة ويسترون ويخفون العيوب ويخادعون الناس.
لكن لو وجد الإنسان الذي ينير الطريق أمام العدالة لما وجد ظلم، لكن الظالم يحب من يدلس عليه، فيقول لنفسه : إن فلانا ارتكب جريمة مثل جريمتي ونال البراءة وتدليس الشهادة يقود إلى خراب المجتمعات ولو أن المجتمع حينما يرى أن شهادة أفراده هي شهادة بالقسط وشهادة بالعدل، فإن كل فرد في المجتمع إذا هم بظلم يرتدع قبل أن يفعل الظلم، ولكان الظالم ينال عقابه ويصير مثالا لارتداع غيره، والمؤمن مطالب أولا بالقيام لله بإصلاح ذاته، ومطالب ثانيا أن يشهد بالقسط والعدل لإصلاح غيره.
وكلمة " القسط " تأتي منها اشتقاقات كثيرة، وهي من الألفاظ التي قد تدل على العدل وقد تدل على الجور، وهي من الألفاظ التي تستعمل في الأمر وفي نقيضه وهذا من محاسن اللغة، ويتطلب ذلك أن يمحص السامع الكلمة ويتعرف معناها بما يتطلبه السياق.
و " قسط " معناها " عدل "، والفعل المضارع لها هو يقسط، والمصدر " قسطا " ومرة يكون المصدر " قسوطا " والمصدر هو الذي قد يحول المعنى من العدل إلى الجور، فالقسط بمعنى العدل وقسط يقسط قسوطا أي جار وظلم هنا نجد الفعل يأتي بالمعنى وضده، حتى يمتلك السامع اليقظة والفطنة التي تجعله يعرف التمييز بين معنى العدل ومعنى الجور.
وحين نقول " أقسط " فإنها بمعنى عدل، وهنا ننتبه إلى ما يلي : أن هناك فرقا بين عدل يأتي من أول الأمر وذلك هو القسط، وهناك حكم ظالم يحتاج إلى حكم آخر يزيل الظلم، وذلك الذي نستعمل له " أقسط " أي أزال الظلم، فكأن جورا كان موجودا وأزاله الحكم، فالقسط إذن هو العدل الابتدائي ولذلك نسمع قول الحق سبحانه وتعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا( ١٥ ) ( سورة الجن )
والقاسطون هنا هم الظالمون فالقسط هنا من قسط يقسط قسوطا.
وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق : " شهداء بالقسط " أي شهداء بالعدل واللباقة في السامع هي التي توجه اللفظ إلى معناه المراد من خلال السياق، فالسامع للقرآن يفترض فيه الأريحية اللغوية بحيث يستطيع أن يفرق بين الشيء والمشابه له من شيء آخر، إذن فهناك قسط وأقسط قسط بمعنى عدل، وأقسط بمعنى أقام القسط بإزالة الجور والقسوط معناه الجور.
والحق يقول :" إن الله يحب المقسطين " و " المقسطين " هي جمع " مقسط "، من : أقسط أي أزال الظلم والجور، إذن فالذي يرجح المعنى هنا سياق الكلمة ومصدرها وقد يراد بالكلمة المعنى المصدري والمعنى المصدري لا يختلف باختلاف منطوقه، فقال : " رجل عدل " ويقال :" امرأة عدل " ويقال : " رجلان عدل "، ويقال : " امرأتان عدل "، و " رجال عدل "، و " نساء عدل " إذن فإن أردنا بالكلمة المصدر فهي لا تتغير في المفرد والمثنى وجمع المذكر وجمع المؤنث والقرآن الكريم يقول : ونضع الموازين القسط ( من الآية٤٧سورة الأنبياء ).
وهناك قول آخر :{ وزنوا بالقسطاس المستقيم( ١٨٢ )( سورة الشعراء ).
وفي الريف المصري نجد أن التاجر يصنع لنفسه الموازين من الأحجار فيعاير قطعة من الحجر بوزن الكيلوجرام، ويعاير قطعا أخرى لأجزاء الكيلوجرام ومن كثرة الاستعمال وملامسة الحجر يعرف التاجر أن الحجر يتآكل لذلك يعيد وزن الأحجار التي يستعملها في الميزان كل فترة متقاربة من الزمن، ويقال : إنه يعاير الأوزان وسم
تفسير الشعراوي
الشعراوي