قوله : يا أيها الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ قد تقدّم تفسيرها في النساء، وصيغة المبالغة في قَوَّامِينَ تفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا بها أتمّ قيام لِلَّهِ أي لأجله، تعظيماً لأمره، وطمعاً في ثوابه. والقسط : العدل. وقد تقدّم الكلام على قوله : يَجْرِمَنَّكُمْ مستوفى، أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، وكتم الشهادة اعدلوا هُوَ أي العدل المدلول عليه بقوله : اعدلوا أَقْرَبُ للتقوى التي أمرتم بها غير مرة، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير، في قوله : يا أيها الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط الآية. قال : نزلت في يهود خيبر، ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتيهم في دية، فهموا أن يقتلوه، فذلك قوله : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَن لا تَعْدِلُواْ الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم، نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني ؟ قال :«الله»، قال الأعرابي : مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :«الله»، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. قال معمر : وكان قتادة يذكر نحو هذا. ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي، فأرسلوا هذا الأعرابي، ويتأوّل : اذكروا الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ الآية. وأخرج الحاكم وصححه عنه بنحوه، وذكر أن اسم الرجل غورث بن الحارث، وأنه لما قال النبي صلى الله عليه وسلم «الله» سقط السيف من يده، فأخذه النبي وقال :«من يمنعك مني ؟» قال : كن خير آخذ، قال : فشهد أن لا إله إلا الله. وأخرجه أيضاً ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل عنه.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس : أن بني النضير هموا أن يطرحوا حجراً على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فجاء جبريل فأخبره بما هموا، فقام ومن معه، فنزلت : يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَت الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْم الآية، وروى نحو هذا من طرق عن غيره، وقصة الأعرابي وهو غورث المذكور ثابتة في الصحيح.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني