( ١ ) قياما للناس : قوام حياة الناس ومصالحهم.
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا ( ١ ) لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٩٧ ) اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٩٨ ) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( ٩٩ ) قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ١٠٠ ) ( ٩٧ – ١٠٠ ).
تعليق على الآية :
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ............................... الخ
والآيات الثلاث التي بعدها وما ينطوي فيها من دلالات وتلقين وحكمة الإبقاء على معظم تقاليد الحج السابقة للإسلام
عبارات الآيات واضحة. وقد تضمنت :
( ١ ) تنبيها إلى ما في الكعبة التي هي بيت الله الحرام، والأشهر الحرم والهدي والقلائد وحرماتها وتقاليدها من أسباب قوام أمور الناس ومعايشهم ومصالحهم.
( ٢ ) وهتافا للمؤمنين : بأن عليهم أن يتأكدوا ويعلموا أن الله العليم بكل ما في السماوات والأرض عليم بمقتضيات كل شيء، وبما يقوم به أمر الناس. وأنه شديد العقاب على من يتمرد على حرماته وينقضها غفور رحيم لمن حسنت نيته وراقب الله في أعماله وندم على ما فرط منه.
( ٣ ) وتنبيها آخر إلى أنه ليس على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا البلاغ، وأن الله مراقب المخاطبين وعليم بكل ما يبدون وما يكتمون ومحصيه عليهم.
( ٤ ) والتفاتا في الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر به بأن يقول للناس : إنه لا يصح في حال أن يكون الخبيث والطيب والحلال والحرام سواء، ولو كان ظاهر الخبيث أو الحرام معجبا مغريا بكثرته.
( ٥ ) وهتافا موجها إلى أولي العقول بتقوى الله تعالى، فإن فيها الفلاح والنجاح.
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها جاءت معقبة على الآيات السابقة على سبيل البيان والتعليل لتقاليد الحج المتنوعة التي من جملتها تحريم الصيد. ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أو عقبها مباشرة.
ولقد شرحنا في مناسبات سابقة من هذه السورة وقبلها مدى ودلالات وتقاليد الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد، فلا ضرورة للإعادة أو الزيادة. وإنما نريد أن نلفت النظر إلى ما احتوته الآيات من تعليل رائع في مداه ومفهومه وتلقينه لتقاليد الحج. فالله عز وجل إنما ألهم العرب هذه التقاليد أولا، وأقرها في القرآن ثانيا، من أجل ما فيها من مصالح عظيمة للناس متنوعة الأشكال والصور وخاصة وعامة ودنيوية وتعبدية معا، وفيه قرينة على ما كان لهذه التقاليد من أثر صالح في حياة العرب قبل الإسلام ؛ حيث كانت وسيلة لاجتماعهم في مناسك واحدة ومكان واحد على اختلاف عقائدهم ومعبوداتهم ومنازلهم، ومظهرا من مظاهر حركة وحدوية ظهرت فيهم، وهدنة مقدسة تتوقف فيها الحروب والمنازعات ويسود فيها الأمن والطمأنينة في تلك الربوع الشاسعة الواسعة التي ليس فيها سلطات حكومية أو قضائية نافذة، وسببا لقيام أسواق يتبادلون فيها سلعهم ويقضون حاجاتهم، ويحلون مشاكلهم، وتتوحد لغاتهم ولهجاتهم. ويتداولون مفاخرهم، ويستمعون للمواعظ والخطب والقصائد والأخبار المتنوعة في مداها وتأثيرها مما شرحنا صوره في مناسبات سابقة وبخاصة في سياق تفسير سورتي الحج والبقرة.
وفي كل هذا مظهر حركة يقظة وجيشان نفوس وأفكار سبقت البعثة النبوية.
والآيات بهذا الاعتبار تنبه على أن التشريع الإسلامي إنما يستهدف مصالح الناس المادية والمعنوية. وتزيل وهما يمكن أن يقوم في الأذهان نحو تقاليد الحج التي أبقي أكثرها على ما كان عليه في الجاهلية بعد تجريدها مما فيها من شوائب ومعائب. كما أنها تحتوي تلقينا جليلا شاملا ومستمرا بإباحة توطيد وإيجاد وتيسير كل ما من شأنه أن يكون فيه قوام مصالح الناس ومعايشهم، ووسيلة إلى قوة المسلمين وعمران بلادهم، وارتقاء أحوالهم مع مراعاة الله تعالى والوقوف
عند الحدود التي رسمها للحلال والحرام والطيب والخبيث والنافع والضار والخير والشر والعدل والإحسان والبغي والطغيان.
ولقد أتمت الآية الأخيرة هذا التلقين بما نبهت عليه من عدم جواز إقبال الناس على الخبيث والحرام والضار والشر انخداعا بمظهره وزخرفه ولذته وسهولة الحصول عليه، ومن وجوب التفريق بينه وبين الطيب والحلال والنافع والخير وعدم التسوية بين هذا وذاك. وفي المقطع الأخير من الآية معنى قوي ؛ حيث وجه الخطاب فيه لذوي العقول المفكرة على اعتبار أنهم يستطيعون التمييز وإدراك ما في تنبيه القرآن من حكمة وحق وأسباب نجاح وفلاح يستطيعون أن يبينوه للناس، ويتقون الله ويدعون إلى تقواه.
وكل هذا متسق مع التقريرات والتلقينات القرآنية العامة على ما مر التنبيه إليه في مناسبات كثيرة سابقة. وكل هذا كذلك من مرشحات الشريعة الإسلامية للخلود ؛ لأنه متسق مع مصلحة الإنسانية وكرامتها وخيرها وصلاحها وطهارة روحها، ولا يستطيع عاقل منصف في أي ظرف أن ينكره.
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا ( ١ ) لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٩٧ ) اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٩٨ ) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( ٩٩ ) قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ١٠٠ ) ( ٩٧ – ١٠٠ ).
تعليق على الآية :
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ............................... الخ
والآيات الثلاث التي بعدها وما ينطوي فيها من دلالات وتلقين وحكمة الإبقاء على معظم تقاليد الحج السابقة للإسلام
عبارات الآيات واضحة. وقد تضمنت :
( ١ ) تنبيها إلى ما في الكعبة التي هي بيت الله الحرام، والأشهر الحرم والهدي والقلائد وحرماتها وتقاليدها من أسباب قوام أمور الناس ومعايشهم ومصالحهم.
( ٢ ) وهتافا للمؤمنين : بأن عليهم أن يتأكدوا ويعلموا أن الله العليم بكل ما في السماوات والأرض عليم بمقتضيات كل شيء، وبما يقوم به أمر الناس. وأنه شديد العقاب على من يتمرد على حرماته وينقضها غفور رحيم لمن حسنت نيته وراقب الله في أعماله وندم على ما فرط منه.
( ٣ ) وتنبيها آخر إلى أنه ليس على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا البلاغ، وأن الله مراقب المخاطبين وعليم بكل ما يبدون وما يكتمون ومحصيه عليهم.
( ٤ ) والتفاتا في الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر به بأن يقول للناس : إنه لا يصح في حال أن يكون الخبيث والطيب والحلال والحرام سواء، ولو كان ظاهر الخبيث أو الحرام معجبا مغريا بكثرته.
( ٥ ) وهتافا موجها إلى أولي العقول بتقوى الله تعالى، فإن فيها الفلاح والنجاح.
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها جاءت معقبة على الآيات السابقة على سبيل البيان والتعليل لتقاليد الحج المتنوعة التي من جملتها تحريم الصيد. ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أو عقبها مباشرة.
ولقد شرحنا في مناسبات سابقة من هذه السورة وقبلها مدى ودلالات وتقاليد الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد، فلا ضرورة للإعادة أو الزيادة. وإنما نريد أن نلفت النظر إلى ما احتوته الآيات من تعليل رائع في مداه ومفهومه وتلقينه لتقاليد الحج. فالله عز وجل إنما ألهم العرب هذه التقاليد أولا، وأقرها في القرآن ثانيا، من أجل ما فيها من مصالح عظيمة للناس متنوعة الأشكال والصور وخاصة وعامة ودنيوية وتعبدية معا، وفيه قرينة على ما كان لهذه التقاليد من أثر صالح في حياة العرب قبل الإسلام ؛ حيث كانت وسيلة لاجتماعهم في مناسك واحدة ومكان واحد على اختلاف عقائدهم ومعبوداتهم ومنازلهم، ومظهرا من مظاهر حركة وحدوية ظهرت فيهم، وهدنة مقدسة تتوقف فيها الحروب والمنازعات ويسود فيها الأمن والطمأنينة في تلك الربوع الشاسعة الواسعة التي ليس فيها سلطات حكومية أو قضائية نافذة، وسببا لقيام أسواق يتبادلون فيها سلعهم ويقضون حاجاتهم، ويحلون مشاكلهم، وتتوحد لغاتهم ولهجاتهم. ويتداولون مفاخرهم، ويستمعون للمواعظ والخطب والقصائد والأخبار المتنوعة في مداها وتأثيرها مما شرحنا صوره في مناسبات سابقة وبخاصة في سياق تفسير سورتي الحج والبقرة.
وفي كل هذا مظهر حركة يقظة وجيشان نفوس وأفكار سبقت البعثة النبوية.
والآيات بهذا الاعتبار تنبه على أن التشريع الإسلامي إنما يستهدف مصالح الناس المادية والمعنوية. وتزيل وهما يمكن أن يقوم في الأذهان نحو تقاليد الحج التي أبقي أكثرها على ما كان عليه في الجاهلية بعد تجريدها مما فيها من شوائب ومعائب. كما أنها تحتوي تلقينا جليلا شاملا ومستمرا بإباحة توطيد وإيجاد وتيسير كل ما من شأنه أن يكون فيه قوام مصالح الناس ومعايشهم، ووسيلة إلى قوة المسلمين وعمران بلادهم، وارتقاء أحوالهم مع مراعاة الله تعالى والوقوف
عند الحدود التي رسمها للحلال والحرام والطيب والخبيث والنافع والضار والخير والشر والعدل والإحسان والبغي والطغيان.
ولقد أتمت الآية الأخيرة هذا التلقين بما نبهت عليه من عدم جواز إقبال الناس على الخبيث والحرام والضار والشر انخداعا بمظهره وزخرفه ولذته وسهولة الحصول عليه، ومن وجوب التفريق بينه وبين الطيب والحلال والنافع والخير وعدم التسوية بين هذا وذاك. وفي المقطع الأخير من الآية معنى قوي ؛ حيث وجه الخطاب فيه لذوي العقول المفكرة على اعتبار أنهم يستطيعون التمييز وإدراك ما في تنبيه القرآن من حكمة وحق وأسباب نجاح وفلاح يستطيعون أن يبينوه للناس، ويتقون الله ويدعون إلى تقواه.
وكل هذا متسق مع التقريرات والتلقينات القرآنية العامة على ما مر التنبيه إليه في مناسبات كثيرة سابقة. وكل هذا كذلك من مرشحات الشريعة الإسلامية للخلود ؛ لأنه متسق مع مصلحة الإنسانية وكرامتها وخيرها وصلاحها وطهارة روحها، ولا يستطيع عاقل منصف في أي ظرف أن ينكره.
التفسير الحديث
دروزة