ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

ويقول الحق من بعد ذلك :
جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ( ٩٧ ) .
( جعل ) تعني بين ووضح ؛ فقال : إن الكعبة محرمة ولها كرامة تستحق من المؤمن أن يأمن فيها. أو ( جعل ) تعني إيجاد صفات للأشياء بعد أن تكون ذات المادة موجودة، مثل قوله الحق سبحانه :
وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ( ٧٨ ) ( من الآية ٧٨ سورة النحل )
أي أنه سبحانه خصص جزءا من خلايا الإنسان ليكون عينا، وجزءا آخر ليكون أذنا، وجزءا ثالثا ليكون لسانا. والحق هنا يقول : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ونعرف أن كل الأسماء للمعنويات مأخوذة من المحسات.
والكعب هو الشيء الناتئ الخارج عن حد التساوي. مثال ذلك الكعب في القدم يكون مرتفعا. وكذلك الفتاة نطلق عليها :( طفلة ) وهي دون البلوغ، عند البلوغ وظهور الثديين نقول إنها :( كعاب وكاعب )، أي أن ثدييها قد صارا مرتفعين، والكعبة نتوء، والنتوء ارتفاع، وهذا الارتفاع هو علامة البيت، فالبيت هو مساحة من الأرض، أما الارتفاع فهو يحدد الحجم.
ومثال ذلك عندما نريد حساب مساحة الأرض ؛ نقيس الطول والعرض، ونضرب الطول في العرض حتى نحسب المساحة. أما إذا كان هناك ارتفاع فهذا يعني الانتقال من المساحة إلى الحجم، والحق سبحانه يقول : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ( من الآية ١٢٧ سورة البقرة )
أي أن سيدنا إبراهيم بعمله إنما أراد يصنع للبيت ارتفاعا وحجما، وهذا البناء يدل على صناعة حجم لمساحة من الأرض. إذن فالكعبة هي البيت بعد أن صار له ارتفاع. كلمة ( بيت ) تعني المكان الذي أعد للبيتوتة، فالإنسان يضرب في الأرض طيلة نهاره وعندما يحب أن يستريح يذهب إلى البيت.
فالله جعل الكعبة بيتا للناس حتى يستريحوا فيه من عناء حياتهم ومشقة كدحهم لأنه بيت ربهم باختيار ربهم، لا باختيارهم، فكل مسجد هو بيت لله ولكن باختيار خلق الله، أما الكعبة فهي بيت الله باختيار الله، وهي قبلة لبيوت الله التي قامت باختيار خلق الله.
جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس وكلمة ( البيت الحرام ) تدل على أن له حرمات كثيرة. وجعل الله الكعبة بيتا حراما لكل مسلمين قياما. والقيام هو الوقوف، والوقوف هو القيام على الأمر. والقائم على أمر ما يحفظ له قوام حياته ووجوده.
وهكذا نفهم أنه سبحانه أراد أن تكون الكعبة هي البيت الحرام ليحفظ على الناس قوام حياتهم، بالطعام والشراب واستبقاء النسل ودفع الأذى، وفوق ذلك له سيطرة وسيادة وجاه وتمكين، ولذلك يعطي الإيمان الحياة الراقية، فالحياة مسألة يشترك فيها المؤمن والكافر، وتبدأ بوجود الروح في المادة فتنتقل المادة إلى حالة الحس والحركة، والمؤمن هو من يرتقي بحياته فيعطي لها بالإيمان منافع، ويسلب عنها المضار، فيأخذ السيادة، وبذلك تتصل حياته الدنيا بحياته في الآخرة، فلا تنتهي منه الحياة أبدا.
لقد جعل الحق سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام قياما للناس.. أي قواما لحياتهم سواء الحياة الدنيا أو حياة الآخرة، الحياة المادية التي تنتهي بالموت، والحياة التي تبدأ بالآخرة. والحق سبحانه يقول عن ذلك : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال )
هكذا يكون الإيمان بالله وصلا لحياتين : الحياة المادية في الدنيا، وحياة الآخرة. وأراد الحق بذلك دفع الأذى وجلب النفع والجاه والسيطرة للمؤمنين، ونعرف أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس :
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ( ٩٦ ) ( سورة آل عمران )
كذلك نعرف أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أقام القواعد من البيت، أما البيت نفسه فقد أقيم من قبل ذلك. مادام الحق سبحانه قد قال : وضع للناس ( من الآية ٩٦ سورة آل عمران )
فمعنى ذلك أن الله لم يحرم الناس من قبل إبراهيم أن يكون لهم بيت. فالناس معناها البشر من آدم إلى أن تقوم الساعة، وأقام إبراهيم خليل الرحمن البعد الثالث وهو رفع القواعد للبيت الحرام. والحق سبحانه وتعالى يقول : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ( من الآية ٢٦ سورة الحج ).
أي أن الحق سبحانه وتعالى أظهر مكان البيت لإبراهيم عليه السلام، ونعرف أن إبراهيم أشرك ابنه إسماعيل في إقامة القواعد من البيت، ونعلم أن إسماعيل قد جاء إلى هذا المكان رضيعا مع أمه، وقال إبراهيم بعد أن رفع القواعد متوجها إلى ربه بالدعاء :
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ( من الآية ٣٧ سورة إبراهيم )
لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بواد غير ذي زرع، لا ماء ولا نبات. وجاء الحق بهذا الكناية لنعرف أنه لا حياة بدون زرع، والماء لا زم للزرع. وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد لبى نداء الله بأن يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة، ولا يوجد فيه إلا المنعم، ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليها السلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن مع ابنها في ذلك المكان تناديه : يا إبراهيم إلى من تتركنا ؟ فيقول لها : إلى الله تقول : رضيت بالله. هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشي كما أراد، فالله لن يضيعها لا هي ولا ابنها ؛ لأنها قالت : رضيت بالله.
وقص رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – علينا قصتها، والسعي الذي قامت به بين الصفا والمروة، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ابنها، بل سيرزقهما، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيرا يدله على موقع الماء، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير. إنها تأخذ بالأسباب مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم. وسعت سبعة أشواط. وهي الأنثى في تلك السن، وذلك من لهفتها على التوفير شربة ماء لطفلها.
السعي – كما نعرفه – عملية شاقة. ولو أن الله أعطاها الماء على الصفا أو على المروة لما أ ثبت كلمتها :( إن الله لا يضيعنا ). ولكن الحق يعطيها الماء عند قدمي طفلها الرضيع. وبذلك لها يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا إلى قضيتين : أما الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده، أما الثانية فهي أن السعي لا يعطي بمفرده الثمرة، ولكن الثمرة يعطيها الله. وجعل الله من السعي بين الصفا والمروة تعليما لنا بدرس عملي تطبيقي أن نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب ؛ لأن فتنة الناس تأتي من الغرور بالأسباب.
كلا إن الإنسان ليطغى ( ٦ ) أن رآه استغنى ( ٧ ) ( سورة العلق ).
إنه لا يصح أبدا أن تعزلك الأسباب عن المسبب، ولا تقل سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب، لا، كن دائما مع الأسباب، وتذكر دائما المسبب. ولذلك نقول : إن الجوارح تعمل، ولكن القلوب تتوكل. وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها، وبذلك تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها الله : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( ٣٧ ) ( سورة إبراهيم ).
لقد دعا إبراهيم عليه السلام بالرزق من الثمرات، لأن الوادي غير ذي زرع. ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوى إلى الكعبة وإلى البيت الحرام. يقول – سبحانه - :
أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ( من الآية ٥٧ سورة القصص )
وكلمة ( يجبى ) تدلنا على أن الناس لا تأتي بهذه الثمرات اختيارا إلى البيت الحرام الذي جعله الله قياما لحياة من يوجد فيه، بل يأتون بالثمرات قهرا.
وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة والثمار في الطائف وفي غيرها من البلاد، وعندما يريد إنسان الشراء من نتاج مزارعهم يقولون له : إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة.
لقد استجاب الحق لدعاء إبراهيم : فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم . و( تهوى ) – بكسر الواو – تدل على السقوط من الحالق... أي من مكان مرتفع شاهق. وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفا إليها. ولذلك نجد الكلف بالحج – المحب له والمتعلق به – تشتاق روحه إلى الحج.
وعلينا أن نفرق بين ( يهوى )... أي يحب الذهاب، و( يهوي ) بكسر الواو أي يذهب بالاندفاع، فالإنسان إن سقط من مكان عال لا يستطيع أن يقول : سأتوقف عند نقطة ما في منتصف مسافة السقوط ؛ لأن الذي يقع من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه. ولذلك قال الحق :
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ( من الآية ٣٧ سورة إبراهيم )
هذا دليل على أن الهوى ليس من صنعة الجسم، ولكنه من صنعة الأفئدة. والأفئدة بيد الله – سبحانه – هو الذي جعلها تهوي، والكعبة هي البيت الحرام، وهي قوام لحياة الناس، وسبحانه القائل :
من دخله كان آمنا ( من الآية ٩٧ سورة آل عمران ).
فالداخل إلى الكعبة أمن حتى ولو كان قائلا. وكان الرجل يلتقي بقائل أبيه في الكعبة فلا يتعرض له، إذن فقد أعطى الحق لهم من مقومات الحياة الشيء النافع وحجب عن الموجود منهم الضر.
وأما السيادة والجاه فقد عرفنا أن قريشا سادت العرب وكان رجالها سدنة وخدما لبيت الله، والكل يأتي إليهم فلا أحد يتعرض لقوافلهم الذاهبة إلى الشام أو اليمن. وإلا فمن يتعرض لقوافل قريش فإن قريشا تستطيع الانتقام منه عندما يأتي إليها. وكان ذلك قمة السيادة. إذن فمقوم الحياة إما أن يأتي بنافع كالرزق، وإما أن يمنع الضار ؛ وذلك بالأمن الذي يصيب كل داخ إليها، وكذلك بالسيادة التي أخذتها قريش على العرب جميعا. وأعطى الله المثل لقريش على حمايته للكعبة، عندما جاء أبرهة ليهدم الكعبة : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ( ١ ) ( سورة الفيل ).
ورد سبحانه كيد أصحاب الفيل ؛ لأنهم لو هدموا الكعبة لضاعت السيادة من قريش، ولذلك قال الحق وصفا لذلك : فجعلهم كعصف مأكول ( ٥ ) .
لإيلاف قريش ( ١ ) إلا فهم رحلة الشتاء والصيف ( ٢ ) ( الآية ٥ سورة الفيل والآية ١، ٢ سورة قريش )
جعل الحق أصحاب الفيل كعصف مأكول أي كتبن أو نحوه أكلته الدواب وألقته روثا، فعل – سبحانه – ذلك حتى تألف قريش وتطمئن إلى الكعبة لن يمسها سوء، وإلى أن رحلات الشتاء والصيف مصونة بحكم حاجة كل القبائل إلى الحج. وقال سبحانه : فليعبدوا رب هذا البيت ( ٣ ) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( ٤ ) ( سورة قريش ).
أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف، وأبقى لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها الله للناس جميعا قياما وأمنا ؛ لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجهم من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضا.
إذن جعل الله البيت الحرام قياما لكل ألوان الحياة، والبيت الحرام مكان كما نعلم. وجعل الحق الشهر الحرام أيضا قياما للحياة، والشهر الحرام هو زمان كما نعلم. والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرام الأربعة ؛ شهر منها فرد أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب – ولذلك يسمى رجب الفرد – وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضا وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم.
ونعلم

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير