" ففروا إلى الله إني لكم نذير مبين ".
الألفاظ والتراكيب :
( الفاء ) : للترتيب، لأن ما قبلها على ما فيه من عظمة وكمال وجمال، فهي مخلوقة موسومة بسمة العجز والنقصان، فلا يصلح شيء منها للتعويل عليه، فلم يبق إلا الخالق القادر ذو الجلال والإكرام، فهو الذي يفر إليه دون جميع المخلوقات.
( فروا ) : اهربوا. ( النذير ) : المعلم بما فيه هلاك لنجتنب الأسباب المؤدية إليه.
( المبين ) : الذي يوضح ما أنذر منه والأسباب المؤدية إليه، والوسائل المنجية منه، مع إقامة الحجة على صدقه ونصحه.
وقدم ( لكم ) ليفيد اهتمامه بهم، وذلك ليجلبهم إليه فيستمعوا لنصحه وبعده منه ليبين مصدر رسالته، وذلك ليبين لهم أنه مأمور، فلا يستكبروا عن قبول دعوته.
وأكد الجملة١لأنهم في مقام التردد أو الإنكار.
المعنى :
هذه المخلوقات كلها عاجزة في نفسها مفتقرة – ابتداء ودواما – إلى خالقها، فاهربوا من شرها إلى خالقها، فهو الذي ينجيكم من شرها ويهديكم إلى خيرها، ولا تغتروا بشيء منها، فإنها لا تملك حفظا لنفسها فكيف تملكه لغيرها.
إنني أحذركم الهلاك إذا اغتررتم بها، وقطعتكم عن خالقها ولم تهربوا إلى الله منها، وقد أبنت لكم مصدر الهلاك وطريق النجاة.
نكتة التنويع :
جاءت الثلاث آيات الأول٢كما يكون قولها من الله.
وجاءت هذه الآية٣ كما يكون قولها من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – تنويعا للخطاب وتفننا، فإنه لما كان في هذه الآية، هو المقصود حول أسلوب الكلام من الإخبار إلى الأمر٤ ؛ تجديدا لنشاط السلع، وبعثا لاهتمام المخاطبين، وحثا لهم وتوكيدا عليهم.
وفيه تنبيه على أن ما يقوله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مثل ما يقوله الله في وجوب الإيمان والامتثال.
بيان وتوحيد :
الدنيا متاع الغرور :
هذا العالم بسمائه وأرضه، وأزواجه، هو فتنة للإنسان بما فيه من لذائذ ومن جمال، وما فيه من قوة وما فيه من سلطان.
وقد ركبت في الإنسان شهواته وأهواؤه، وسلط عليه الشيطان يغويه ويزين له.
فكل هذا العالم إذا ذهب فيه الإنسان مع أهوائه وشهواته تحت إغواء الشيطان وتزيينه، فإنه يحط إلى أسفل سافلين، ويصير عبدا لأهوائه وشهواته وشيطانه، ولكل ما فتنه من العالم وذهب بلبه، وقد ينتهي به ذلك إلى عبادته من دون خالقه.
لم وجب الفرار إلى الله :
فالعالم بهذا الاعتبار شر وبلاء وهلاك يجب الفرار والهروب منه، ولا يكون هذا الفرار منه إلا إلى خالقه بالإيمان به، والتصديق لرسله، والدخول تحت شرعه، فبذلك يعرف الإنسان كيف يجعل حدا لأهوائه وشهواته، وكيف يضبطها بنطاق الشرع وزمامه، وكيف يدفع عنه كيد شيطانه، وكيف يتناول سماء العالم وأرضه، وأزواجه بيد الشرع، فيعرف ما فيها من نعمة وحكمة، فيستغلها بهداية الشرع مفرقا علميا وعمليا بين منافعها ومضارها، فيعظم بها انتفاعه ويزداد فيها اطلاعه واكتشافه، فتتضاعف عليه منها الخيرات والبركات، ويزداد علمه وعرفانه، ويقوى يقينه وإيمانه، ويعظم لله بره وشكرانه.
فيكون له ذلك العالم جنة الدنيا، وقنطرة لجنة الأخرى، ويفوز من الدارين بالمبتغى. كل هذا بفراره من المخلوقات إلى خالقها، فسلم من شرها، وفاز بخيرها.
فمن هرب من المخلوقات إلى خالقها نجا، ومن فر من الخالق إلى شيء من مخلوقاته كان من الهالكين.
إرشاد وتعميم :
كل ما يصيب الإنسان من محن الدنيا ومصائبها وأمراضها وخصوماتها ومن جميع بلائها، لا ينجيه من شيء منه إلا فراره إلى الله.
ففي العدالة الشرعية ما يقطع كل نزاع، وفي المواعظ الدينية ما يهون كل مصاب، وفي الهداية القرآنية والسيرة النبوية، ما ينير كل سبيل من سبل النجاة والسعادة في الحياة.
يعرف ذلك الفقهاء القرآنيون السنيون.
واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
تنبيه على وهم :
ليس الفرار من الأمراض بمعالجتها، ومن المصائب بمقاومتها فرارا من الله ؛ لأن الأمراض هو قدرها والأدوية هو وضعها، ودعا إلى استعمالها، والتعالج بها.
وكذلك المصائب وما شرع من أسباب مقاومتها، فكلها منه بقدره، والإنسان مأمور منه بأن يعالج ويقاوم، فما فر من قدره إلا إلى قدره.
ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر – رضي الله عنهما – في قصة الوباء :( أفرارا من قدر الله يا عمر ؟، قال عمر : نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله ). وفي الحقيقة كان الفرار من شر في مخلوق إلى الله يرجو منه الخير في غيره.
تحذير من جهالة :
ليس المقصود بالفرار من الدنيا ترك السعي والعمل، وتعاطي الأسباب المشروعة لتحصيل القوت، ورغد العيش، وتوسيع العمران، وتشييد المدينة.
بل المقصود الفرار من شرورها وفتنها، وتناول ذلك كله على الوجه المشروع هو من الفرار إليه، والدخول تحت شرعه كما قدمناه.
وقد ضل قوم فزعموا ذلك طاعة وعبادة، فعطلوا الأسباب، وخالفوا الشريعة، وحادوا عما ثبت من السنة، وفيهم سئل إمام الحديث والسنة أحمد بن حنبل رحمه الله ؛ سئل عن القائل :
أجلس لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي ؟ فقال :' هذا رجل جهل العلم : أما سمع قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي " ؟ وقوله :" تغدوا خماصا وتروح بطانا " ٥.
وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة.
تطبيق :
إذا رأينا طائفتين من المؤمنين تنازعتا فأما إحداهما فالتجأت إلى السلطان تستغيثه، وتستعين به، وتحطب في حبله٦، فأغاثها وانتقم لها، وأمدها وقربها وأدناها.
وأما الأخرى٧ فلم تستغث إلا بالله ولم تستنصر إلا به، ولم تعتمد إلا عليه، ولم تعمل إلا فيما يرضيه من نشر هداية الإسلام، وما فيها من خير عام لجميع الأنام، وتحملت في سبيل ذلك كل ما تسببت لها فيه الطائفة الأخرى ومن تولته وهربت إليه.
إذا رأينا هاتين الطائفتين عرفنا منهما – يقينا – الفارة من الله، والفارة إليه فكنا – إن كنا مؤمنين – مع من فر إلى الله.
٢ والسماء بنيناها الخ....
٣ ففروا إلى الله....
٤ على أسلوب الالقفات..
٥ الضمير في تغدوا للطيور، وخماصا : جوعى وبطانا : شبعى..
٦ تحطب في حبله : توافق هواه، وترى رأيه..
٧ جمعية العلماء الجزائريين..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي