قوله :«أبَشَراً » منصوب على الاشتغال وهو الراجح، لتقدم أداة(١) هي بالفعل أولى. و«مِنَّا » نعت له. و«وَاحِداً » فيه وجهان :
أظهرهما : أنه نعت «لِبَشَراً » إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة(٢) على الصريحة(٣). ويجاب : بأن «مِنَّا » حينئذ ليس وصفاً بل حال من «وَاحِداً » قُدِّمَ عليه.
والثاني : أنه نصب على الحال من هاء «نَتَّبِعُهُ »(٤). وهو يَخْلُصُ من الإعراب المتقدم، إِلا أنَّ المرجع لكونه صفة قراءتهما مرفوعين : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ على ما سيأتي، فهذا يرجّح كون «واحداً » نعتاً «لبَشَرٍ » لا حالاً.
وقرأ أبُو السَّمَّال فيما نقل الهُذَلِيُّ(٥) والدَّانِيّ(٦) برفعهما(٧) على الابتداء، و«وَاحِدٌ » صفته و«نَتَّبِعُهُ » خبره(٨).
وقرأ أبو السَّمَّال أيضاً فيما نقل ابن خالويه(٩)، وأبو الفضل وابن عطية(١٠) : برفع «بشر » ونصب «واحداً » وفيه أوجه :
أحدها : أن يكون «أَبَشَرٌ » مبتدأ وخبره مضمر تقديره : أَبَشَرٌ منا يُبْعَثُ إِلينا أو يُرْسَل. وأما انتصاب «واحداً » ففيه وجهان :
أحدهما : أنه حال من الضمير المستتر في ( مِنَّا ) لأنه وقع نعتاً.
الثاني : أنه حال من هاء «نَتَّبِعُهُ »(١١). وهذا كله تخريج أبِي الفضل الرَّازيِّ(١٢).
والثاني : أنه مرفوع بالابتداء أيضاً، والخبر «نَتَّبِعُهُ » و«واحداً » حال على الوجهين المذكورين آنفاً.
الثالث : أنه مرفوع بفعل مضمر مبني للمفعول تقديره : أَيُنَبَّأُ بَشرٌ، و( مِنَّا ) نعت و( واحداً ) حال أيضاً على الوجهين المذكورين آنفاً. وإليه ذهب ابن عطية(١٣).
فصل
قال ابن الخطيب : والحكمة في تأخير الفعل في الظاهر أن البليغ يُقَدِّمُ في الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثر والقوم كانوا يريدون بيان كونهم محقِّين في ترك الاتّباع، فلو قالوا : أَنَتَّبِعُ بَشَراً أمكن أن يقال : نعم اتَّبِعُوهُ، وماذا يمنعكم من اتباعه ؟ فإذا قدمنا حاله وقالوا : هو من نوعنا بشر من صِفَتِنَا(١٤) رجل ليس غريباً نعتقد فيه أنه يَعْلَمُ ما لا نَعْلَمُ أو يَقْدِرُ على ما لا نَقْدِرُ وهو واحد وليس له جندٌ ولا حَشَمٌ ولا خَدَمٌ ولا خيلٌ وهو وحيد ونحن جماعة فكيف نتبعه ؟ ! فيكونون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع عن اتباعه. وفي الآية إشاراتٌ إلى ذلك، منها تنكيره حيث قالوا : أَبَشَراً، ولم يقولوا : أَرَجُلاً، ومنها : قولهم : مِنَّا وهو يحتمل أمرين :
أحدهما : من صنفنا ليس غريباً.
والثاني :«مِنَّا » أي تَبَعنَا ؛ لأن «مِنْ » للتبعيض والبعض يتبع الكل، لا الكل يتبع البعض.
ومنها قولهم :«واحداً »، وهو يحتمل أمرين أيضاً :
أحدهما : وحيداً إشارةً إلى ضعفه.
وثانيهما : واحداً أي هو من آحاد النَّاس أي هو ممَّنْ ليس بمشهور بحَسَبٍ ولا نَسَبٍ، إذا حَدَّث لا يُعْرَفُ ولا يمكن أن يقال عنه : قَال فلانٌ، بل يقال : قال واحدٌ، وذلك غاية الخُمول، أو لأن الأرذَلَ لا يَنْضَمُّ إليه أحد(١٥).
قوله : إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ خَطَأٍ، وذهاب عن الصواب «وَسُعُرٍ » ( قال ابن عباس(١٦) : عذاب. وقال الحسن : شدة العذاب. وقال قتادةً : عَنَاء ). «وسُعُر » يجوز أن يكون مفرداً أي جُنُون يقال : نَاقَةٌ مَسْعُورَةٌ أي كالمجنونة في سيرها، قال الشاعر ( - رحمةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - )(١٧) :
| كَأَنَّ بِهَا سُعْراً إذَا السُّعْرُ هَزَّهَا | ذَمِيلٌ وَإِرْخَاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ(١٨) |
والمعنى : إِنَّا إذَنْ لَفِي عَنَاءٍ وعذاب مما يلزمنا مِنْ طاعته. وقال وَهْبٌ : معناه : بُعْدٌ عن الحَقِّ.
٢ وهي منا أي كائنا منا فإن الجار والمجرور والظرف لهما متعلّقٌ دوماً..
٣ ذكر كل هذا صاحب التبيان ١١٩٤، وقد ذكر القرطبي في الجامع ١٧/١٣٧ و١٣٨ إعراب "واحداً" و"بشراً" للاشتغال والحال فقط. ولم يذكر في "واحدا" جواز كونه نعتا..
٤ التبيان السابق..
٥ صاحب القراءات الخمسين..
٦ وهو أبو عمرو الداني وقد مرّ ترجمته..
٧ وهي شاذة وانظر المحتسب ٢/٢٩٨ و٢٩٩ والبحر ٨/١٧٩..
٨ البحر المحيط السابق..
٩ قال في المختصر: "أبشرٌ منا من غير تنوين أبو السّمّال". ١٤٧ و١٤٨ ولم يذكر غير هذا..
١٠ البحر المرجع السابق أيضا..
١١ قال بوجهي النصب في "واحدا" أيضا أين ابن جني في المحتسب ٢/٢٩٨ و٢٩٩..
١٢ البحر المحيط المرجع السابق..
١٣ البحر أيضا السابق وهو اختيار أبي الفتح في محتسبه ٢/٢٩٩..
١٤ في الرازي: من صِنفِنا..
١٥ بالمعنى من تفسير العلامة الرازي ١٥/٥٠..
١٦ زيادة من تفسير البغوي لتوضيح السياق ومقابلته..
١٧ زيادة من نسخة أ الأصل..
١٨ من الطويل. والبيت مختلف في روايته فرواية المؤلف أعلى قريبة من رواية البحر لأبي حيان ٨/١٨٠ غير أنه ذكر "العيسُ" بدلا من "السّعر" الثانية في رواية المؤلف وكذا رواية الكشاف ٤/٣٩ وشرح شواهده. ورواية القرطبي في الجامع ١٧/١٣٨:
| تخال بها سعرا إذا السفر هزّها | ذميلٌ وإيقاع من السّذير مُتعِبُ |
وانظر البيت في الكشاف والبحر والقرطبي المراجع السابقة، وفتح القدير ٥/١٢٦، وروح المعاني ٢٧/٨٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود