فقالوا أَبَشراً منا أي : كائناً من جنسنا، وانتصابه بفعل يُفسره " نتبعه " أي : أنتبع بشراً منا واحداً منفرداً لا تباعة له ؟ أو : واحداً من الناس لا شرف له نَتبعه وندع ديننا ؟ إِنَّا إِذاً أي : على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة لفي ضلالٍ عن الصواب وسُعُرٍ نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول لهم : إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق، وصرتم إلى سعير، ونيران تحرق، فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا : إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل : المراد بالسعر : الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشراً، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمةٌ واحداً، أو : رجلاً لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله : أأُلقيَ الذِكْرُ .
قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال ؛ لأنها صِوان لسر الخصوصية. قال في الحكم :" سبحان مَن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله ؛ وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها.
وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها : كذبت ثمود ؛ النفسُ الأمّارة وجنودُها : صالح القلب ؛ حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهُّر من أوصافها المذمومة، فقالت النفسُ وجنودها : أنتبع واحداً منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عُصبة ؟ إنا إذاً لفي ضلال سُعر، أأُلقي الذكر الإلهامي عليه مِن بيننا ؟ بل هو كذَّاب أشر، سيعلمون غداً، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، مَنِ الكذابُ الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب ؟. إنّا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاءً ؛ ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أنَّ ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، مَن شَرِبَ منها، صفا، ومَن تنكّب عنها أظلم، كُل شِرْب يحضره مَن يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها ؟ إنَّا أرسلنا عليهم صيحةَ القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر ؛ صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. هـ. بالمعنى مع تخالف له.
ثم قال القشيري : اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجهاً كليّاً ؛ سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجهاً كليّاً ؛ سميت أمّارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى ؛ سميت لوّامة. هـ مختصراً.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي