ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

قوله : وَكَذَّبُواْ واتّبعوا أَهْوَاءَهُمْ أي كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وما عاينوه من قدرة الله عزّ وجلّ، واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل وكذبوا بالآية وهي انشقاق القمر، «وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ » في أنه سحر القمر، وأنه خسوف في القمر، وظهور شيء في جانب آخر من الجو يشبه نصف القمر، وأنه سحر أعيننا والقمر لم يصبه شيء، فهذه أهواؤهم.
قوله : وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ العامة على كسر القاف، ورفع الراء اسم فاعل، ورفعه خبراً «لكل » الواقع مبتدأ. وقرأ شيبة بفتح القاف وتروى عن نافع(١).
قال أبو حاتم : لا وجه لها، وقد وجهها غيره على حذف مضاف أي وكل أمر ذو استقرار، وزمان استقرار، أو مكان استقرار(٢)، فجاز أن يكون مصدراً(٣)، وأن يكون ظرفاً زمانياً أو مكانياً(٤) قال معناه الزمخشري(٥). وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بكسر(٦) القاف وجر الراء. وفيها أوجه :
أحدها - ولم يذكر الزمخشري غيره - : أن تكون صفة لأَمْر، ويرتفع «كُلّ » حينئذ بالعطف على «الساعة » فيكون فاعلاً أي اقتربت الساعة وكل أمر مستقر.
قال أبو حيان : وهذا بعيد لوجود الفصل بجمل ثلاث، وبعيد أن يوجد مثل هذا التركيب في كلام العرب، نحو :«أَكَلْتُ خُبْزاً، وضَرَبْتُ خَالِداً »(٧) وأن يجيء : زيداً أكرمه ورحل إلى بني فلان ولحماً فيكون «ولحماً » معطوفاً على «خبزاً » بل لا يوجد مثله في كلام العرب. انتهى(٨).
قال شهاب الدين(٩) : وإذا دل دليل على المعنى فلا يبالى بالفواصل، وأين فصاحة القرآن من هذا التركيب الذي ركبه هو حتى يقيسه عليه في المنع ؟
الثاني : أن تكون «مستقراً » خبراً «لِكُلّ أَمْر ». وهو مرفوع، إلا أنه خُفِضَ على الجِوَارِ. قاله أبو الفضل الرازي(١٠).
وهذا لا يجوز، لأن الجِوَارَ إنما جاء في النعت أو العطف على خلاف في إتيانه كما تقدم في سورة المائدة فكيف يقال به في خبر المبتدأ ؟ هذا ما لا يجوز(١١).
الثالث : أن خبر المبتدأ قوله :«حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ » أخبر عن كُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ بأنه حكمة بالغة ويكون قوله : وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الأنباء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ جملة اعتراض بين المبتدأ أو خبره(١٢).
الرابع : أن الخبر مقدر(١٣) ؛ فقدره أبو البقاء : معمول به أو أتى(١٤) وقدره غيره : بالغوه(١٥) ؛ لأن قبله وكذبوا واتبعوا أهواءهم أي وكل أمر مستقر، أي لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا(١٦) فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة : وكل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، والشر بأهل الشر. وقيل : كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة والشر مستقر بأهله في النار. وقيل : مستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعْرفوا حقيقته بالثواب والعذاب، وقال مقاتل : لكل حديث منتهى. وقيل : ما قدر كائن لا محالة(١٧) وقيل كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت، والباطل يَزْهَقُ فيكون ذلك تهديداً لهم وتسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كقوله تعالى : ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزمر : ٧ ].
وقيل : كل أمر مستقر في علم الله تعالى لا يخفى عليه شيء، فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم، والأنبياء صدقوا وبلغوا، كقوله تعالى : لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ [ غافر : ١٦ ] وكقوله : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرُ [ القمر : ٥٢ - ٥٣ ].
وقيل : هو جواب لقوله :«سِحْرٌ مُسْتَمِرّ » أي بل كل أمره مستقر(١٨).

١ المرجع السابق وهي شاذة ولم ترو عن نافع في المتواتر..
٢ البحر المحيط المرجع السابق والكشاف ٤/٣٦..
٣ أي ميميًّا من غير الثلاثي..
٤ أو اسم مكان أو زمان ويكونان من غير الثلاثي أيضا..
٥ الكشاف ٤/٣٦..
٦ وقد نقلها صاحب الإتحاف ٤٠٤ والبحر والكشاف المرجعان السابقان كما نقلها صاحب المحتسب ٢/٢٩٧..
٧ في البحر: وضربت زيدا..
٨ وانظر البحر ٨/١٧٤ وقد وافق الزمخشري ابن جني في المحتسب فقال: "رفعه عندي عطف على الساعة أي اقتربت الساعة وكل أمر أي اقترب استقرار الأمور في يوم القيامة..." ثم قال "هذا وجه رفعه والله أعلم" المحتسب ٢/٢٩٧..
٩ الدر المصون مخطوط بمكتبة الإسكندرية لوحة رقم ١٢٠..
١٠ البحر المرجع السابق..
١١ السابق أيضا..
١٢ نقله أبو حيان في البحر المحيط ٨/١٧٤..
١٣ وهو اختيار أبي حيان السابق والقرطبي في الجامع ١٧/١٢٨، وأول وجهي أبي البقاء في التبيان..
١٤ التبيان ١١٩٢..
١٥ وهو تقدير أبي حيان السابق..
١٦ وهذا رأي الكلبي..
١٧ وانظر هذه الأقوال في القرطبي ١٧/١٢٨، والبغوي والخازن ٦/٢٧٣، و٢٧٤..
١٨ وانظر الرازي ١٥/٣٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية