الْقَمَرِ قَالُوا:
«هَذَا سِحْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: «قَدْ سَحَرَ مُحَمَّدٌ الْقَمَرَ»، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا مِنْ ذِكْرِ أَحْوَالِ تَكْذِيبِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ وُقُوعَ آيَةً، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ الْعُمُومَ.
وَجِيءَ بِهَذَا الْخَبَرِ فِي صُورَةِ الشَّرْطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا دَيْدَنُهُمْ وَدَأْبُهُمْ.
وَضَمِيرُ يَرَوْا عَائِدٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ دَالٍّ عَلَيْهِ الْمقَام وهم الْمُشْرِكُونَ، كَمَا جَاءَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، مَعَ أَنَّ قِصَّةَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَطَعْنِهِمْ فِيهَا مَشْهُورٌ يَوْمَئِذٍ مَعْرُوفَةٌ أَصْحَابُهُ، فَهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ كُلَّمَا رَأَوْا آيَةً عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَوَصْفُ مُسْتَمِرٌّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ فِعْلِ مَرَّ الَّذِي هُوَ مَجَازٌ فِي الزَّوَالِ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّقْوِيَةِ فِي الْفِعْلِ، أَيْ لَا يَبْقَى الْقَمَرُ مُنْشَقًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْمِرَّةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيِ الْقُوَّةِ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ، أَيْ طَلَبٍ لِفِعْلِهِ مِرَّةً، أَيْ قُوَّة، أَي تمَكنا. وَالْمَعْنَى: هَذَا سِحْرٌ مَعْرُوفٌ مُتَكَرِّرٌ، أَيْ مَعْهُودٌ مِنْهُ مثله.
[٣]
[سُورَة الْقَمَر (٥٤) : آيَة ٣]
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.
هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ فِيمَا مَضَى بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالشَّرْطِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [الْقَمَر: ٢]. وَمُقَابَلَةُ ذَلِكَ بِهَذَا فِيهِ شِبْهُ احْتِبَاكٍ كَأَنَّهُ قِيلَ:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا: سِحْرٌ، وَقَدْ رَأَوُا الْآيَاتِ وَأَعْرَضُوا وَقَالُوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وكذبوا وَاتبعُوا أهوائهم وَسَيُكَذِّبُونَ وَيَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ.
وَعَطْفُ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ عَطْفُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ لَا دَافِعَ لَهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا اتِّبَاعُ مَا تَهْوَاهُ أَنْفُسُهُمْ مِنْ بَقَاءِ حَالِهِمْ عَلَى مَا أَلِفُوهُ وَعَهِدُوهُ وَاشْتَهَرَ دَوَامُهُ.
وَجَمَعَ الْأَهْوَاءَ دُونَ أَنْ يَقُولَ وَاتَّبَعُوا الْهَوَى كَمَا قَالَ: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الْأَنْعَام:
١١٦]، حَيْثُ إِنَّ الْهَوَى اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ، فَعَدَلَ عَنِ الْإِفْرَادِ إِلَى
الْجَمْعِ لِمُزَاوَجَةِ ضَمِيرِ الْجَمْعِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ لَهُمْ أَصْنَافًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْأَهْوَاءِ: مِنْ حُبِّ الرِّئَاسَةِ، وَمِنْ حَسَدِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ، وَمِنْ حُبِّ اتِّبَاعِ مِلَّةِ آبَائِهِمْ، وَمِنْ
مَحَبَّةِ أَصْنَامِهِمْ، وَإِلْفٍ لِعَوَائِدِهِمْ، وَحِفَاظٍ عَلَى أَنَفَتِهِمْ.
وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ.
هَذَا تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا إِلَى قَوْله: أَهْواءَهُمْ [الْقَمَر: ٢، ٣]، فَهُوَ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَكَذَّبُوا وَجُمْلَةِ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ [الْقَمَر:
٤]، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى الْمَثَلِ.
وكُلُّ مِنْ أَسْمَاءِ الْعُمُومِ. وَأَمْرٌ: اسْمٌ يَدُلُّ عَلَى جِنْسٍ عَالٍ وَمِثْلُهُ شَيْءٌ، وَمَوْجُودٌ، وَكَائِنٌ، وَيَتَخَصَّصُ بِالْوَصْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ [النِّسَاء: ٨٣] وَقَدْ يَتَخَصَّصُ بِالْعَقْلِ أَوِ الْعَادَةِ كَمَا تَخَصَّصَ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ رِيحِ عَادٍ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَحْقَاف: ٢٥] أَيْ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْقَابِلَةِ لِلتَّدْمِيرِ. وَهُوَ هُنَا يَعُمُّ الْأُمُورَ ذَوَاتِ التَّأْثِيرِ، أَيْ تَتَحَقَّقُ آثَارُ مَوَاهِيهَا وَتَظْهَرُ خَصَائِصُهَا وَلَوِ اعْتَرَضَتْهَا عَوَارِضُ تُعَطِّلُ حُصُولَ آثَارِهَا حِينًا كَعَوَارِضَ مَانِعَةٍ مِنْ ظُهُورِ خَصَائِصِهَا، أَوْ مُدَافَعَاتٍ يُرَادُ مِنْهَا إِزَالَةُ نَتَائِجِهَا فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَاتِ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَتَغَلَّبَ عَلَى تِلْكَ الْمَوَانِعِ وَالْمُدَافَعَاتِ فِي فُرَصِ تَمَكُّنِهَا مِنْ ظُهُورِ الْآثَارِ وَالْخَصَائِصِ.
وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ شُبِّهَتْ حَالَةُ تَرَدُّدِ آثَارِ الْمَاهِيَّةِ بَيْنَ ظُهُورٍ وَخَفَاءٍ إِلَى إِبَّانِ التَّمَكُّنِ مِنْ ظُهُورِ آثَارِهَا بِحَالَةِ سَيْرِ السَّائِرِ إِلَى الْمَكَانِ الْمَطْلُوبِ فِي مُخْتَلِفِ الطُّرُقِ بَيْنَ بُعْدٍ وَقُرْبٍ إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي الْمَكَانِ الْمَطْلُوبِ. وَهِيَ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْحَالِةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا حُذِفَ وَرُمِزَ إِلَيْهِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ رَوَادِفِ مَعْنَاهُ وَهُوَ وَصْفُ مُسْتَقِرٍّ.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الْأَنْعَام: ٦٧] وَقَدْ أَخَذَهُ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:
| فَالْآنَ صِرْتُ إِلَى أُمَيَّ | ةَ وَالْأُمُورُ إِلَى مَصَائِرْ |