ﮟﮠﮡﮢﮣ

ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، ووضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها رزقا لهم وقوتا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَاتُ الْأَكْمَامِ) أي: ذات الغلف والأغطية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب والثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.
ومن رفعها فعلى الابتداء؛ عطفا على الحب.
واختلفوا في تفسير العصف والريحان:
منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.
وقيل: هو التبن.
وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.
وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.
وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.
وقيل: هو الذي يشتم.
وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: الريحان: هو الحب.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان اللَّه، أي رزقه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى:

صفحة رقم 465

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ).
وقيل: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل إنسي وجني في نفسه؛ كقوله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، ليس أن قال الفريقان جميعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: " لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد ".
ثم فيما ذكر من قوله: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ...) إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.
أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.
وأما بيان قدرته وسلطانه: فإنه أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكمامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خارج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاد في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر في الأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضعفها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.
وفيه إثبات البعث من وجهين:
أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.
والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.
وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعم، ثم يتركهم سدى لا يستأدي

صفحة رقم 466

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية