تفسير سورة الرحمن
أهداف سورة لرحمن
سورة الرحمن مدنية، وآياتها ٧٨ آية، نزلت بعد سورة الرعد
وتتميز سورة الرحمن بجرسها وقصر آياتها وتعاقب الآيات : الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ . فنسمع هذا الرنين الأخاذ، والإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد، والنعم المتعددة بتعليم القرآن، وخلق الإنسان، وتعليم البيان.. وكل هذه النعم مصدرها رحمة الرحيم الرحمن، صاحب الفضل والإنعام، فإذا استرسلنا في قراءة السورة رأينا حشدا من مظاهر النعم، وآلاء الله الباهرة الظاهرة في جميل صنعه، وإبداع خلقه، وفي فيض نعمائه، وفي تدبيره للوجود وما فيه، وتوجيه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم.
وسورة الرحمن إشهاد عام للوجود كله على الثقلين : الإنس والجن، إشهاد في ساحة الوجود، على مشهد من كل موجود، مع تحدٍّ للجن والإنس إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله، تحديا يتكرر عقب بيان كل نعمة من نعمه التي يعددها ويفصِّّلها، ويجعل الكون كله معرضا لها، وساحة الآخرة كذلك.
فبأي آلاء ربكما تكذبان
تكررت هذه الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة، لتذكر الإنس والجن بنعم الله الجزيلة عليهم، بأسلوب معجز يتحدى بلغاء العرب، ولاشك أن هذه النعم الضافية التي أسبغها ربهم عليهم، تستحق من العباد الشكر والإيمان، لا الكفر والطغيان.
والآلاء جمع إلى وهي النعمة، أي نعم الله عليكم وافرة، ترونها أمامكم وخلفكم وفوقكم وتحتكم، فبأي هذه النعم تكذبان ؟ والخطاب هنا للجن والإنس لتذكيرهما بالأفضال المتلاحقة من الله، ولا يستطيعان أن يكذبا أو يجحدا أي نعمة من هذه النعم.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن ردًّا منكم، كنت كلما أتيت على قوله : فَبِأَيِّ آَلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان. قالوا : لا بشيء من نعمك نكذب فلك الحمد ".
كما روي أن قيس بن عاصم المنقري جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا محمد، اتل عليّ شيئا مما أنزل عليك، فتلا عليه سورة الرحمن، فقال : أعدها، فأعادها صلى الله عليه وسلم، فقال : والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وأسفله مغدق، وأعلاه مثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
المعنى الإجمالي للسورة
المنة على الخلق بتعليم القرآن وتلقين البيان، ولفت أنظارهم إلى صحائف الوجود الناطقة بآلاء الله.. الشمس والقمر، والنجم والشجر، والسماء المرفوعة، والميزان الموضوع، والأرض وما فيها من فاكهة ونخل وحب وريحان. والجن والإنس، والمشرقين والمغربين، والبحرين بينهما برزخ لا يبغيان وما يخرج منهما وما يجري فيهما.
فإذا تم عرض هذه الصحائف الكبار، عرض مشهد فنائها جميعا، مشهد الفناء المطلق للخلائق، في ظل الوجود المطلق لوجه الله الكريم الباقي، الذي إليه تتوجه الخلائق جميعا ليتصرف في أمرها بما يشاء، قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ . ( الرحمن : ٢٦-٢٧ )
وفي ظل الفناء المطلق للإنسان، والبقاء المطلق للرحمن، يجيء التهديد المروع والتحدي الكوني للجن والإنس، ومن ثم يعرض مشهد النهاية، مشهد القيامة يعرض في صورة كونية، يرتسم فيها مشهد السماء حمراء سائلة، ومشهد العذاب للمجرمين، ثم يعرض ألوان الثواب للمتقين، ويصف الجنة وما فيها من نعيم مقيم أعده الله للمتقين، ويبين أن منازل الجنات مختلفة، ونعيمها متفاوت، والجزاء على قدر العمل.
كل يوم هو في شأن
قال المفسرون : شئون يبديها لا شئون يبتديهاi، فهو سبحانه صاحب التدبير الذي لا يشغله شأن عن شأن، ولا يند عن علمه ظاهر ولا خَافِ، والخلق كلهم يسألونه، فهو مناط السؤال، وغيره لا يسأل، وهو معقد الرجاء ومظنة الجواب.
وهذا الوجود الذي لا نعرف له حدودا كله منوط بقدره، متعلق بمشيئته، وهو سبحانه قائم بتدبيره.
هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت، وما يسقط من ورقة، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب وكل يابس، يتبع الأسماك في بحارها، والديدان في مساربها، والوحوش في أوكارها، والطيور في أعشاشها، وكل بيضة وكل فرخ، وكل خلية في جسم حي.
تفسير النسفي للآية :
في تفسير قوله تعالى : يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . ( الرحمن : ٢٩ )، قال النسفي : يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... كل من في السماوات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم.
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ : كلَّ وقت وحين يُحدث أمورا ويُجدد أحوالا، كما روى أنه صلى الله عليه وسلم تلاها، فقيل له : وما ذلك الشأن ؟ فقال :" من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرّج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين ".
وعن ابن عيينة : الدهر عند الله يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع. واليوم الآخر هو يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب.
وقيل : نزلت في اليهود حين قالوا : إن الله لا يقضي يوم السبت شأنا.
وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية، فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيبا يفكر فيها، فقال غلام له أسود : يا مولاي، أخبرني ما أصابك، فأخبره، فقال الغلام : أنا أفسرها للملك فأعلمه، فقال : أيها الملك، شأن الله أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافى ويعافي مبتلى، ويعزّ ذليلا ويذل عزيزا، ويغني فقيرا. فقال الملك : أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال : يا مولاي، هذا من شأن الله.
وقيل : سوق المقادير إلى المواقيت.
وقيل : إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل وقال له : أشكلت عليّ آيات دعوتك لتكشفها لي، قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال الحسين : كل يوم هو في شأن، فإنها شئون يبديها لا شئون يبتديهاii، أي يظهرها لعباده في واقع الناس على وفق ما قدره في الأزل من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داع وإعطاء سائل، وغير ذلكiii.
فالناس يسألونه سبحانه بصفة مستمرة، وهو سبحانه مجيب الدعاء، بيده الخلق والأمر، يغير ولا يتغير، يجير ولا يجار عليه، يقبض ويبسط، يخفض ويرفع، وهو بكل شيء عليم.
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ( آل عمران ٢٦ )
٣٦- فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .
بأي نعم ربكما تكذبان ؟ ومنها تنبيهكم إلى أنّكم لا تستطيعون الفرار من العذاب إن بقيتم على كفركم.
تفسير القرآن الكريم
شحاته