ﯰﯱﯲﯳﯴ

ثم بيَّن منافعها، فقال : نحن جعلناها تذكرةً تذكيراً لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وُعدوا به من نار جهنم، أو : تذكرة وأنموذجاً، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" نارُكم هذه التي يُوقدها بنو آدم هي جزءٌ من سبعين جزءاً من حَرِّ جهنم " ١. وقيل : تبصرة في أمر البعث ؛ فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، ومتاعاً للمُقْوين منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القِواء، وهو القفر. وفي القاموس : القِيُّ : فقر الأرض، كالِقواء - بالكسر والمد : القفر. ه. وتخصيصهم بذلك ؛ لأنهم أحوج إليها ؛ فإنّ المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو : للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم : أَقْوت الدار : إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن.
بدأ أولاً بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يُعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به ؛ فلا يؤكل الطعام إلاّ بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيّاً في حكم العادة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أفرأيتم أيها المشايخ ما تُمْنون من نُطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتُثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون ؟ نحن قدّرنا بينكم الموت، فمنكم مَن يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم مَن يموت بعد الوصول، والموت المعنوي : هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلاَّ قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نُبدل أمثالكم، ونُغيّر صفاتكم، فإنّ القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبُعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة.
أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي : تُنبتونه حتى يُقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون ؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباءً منثوراً، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون : إنّا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقّه الشيخُ لروح المريد، كما يزق الطيرُ أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزِلون ؟ لو نشاء جعلناه أُجاجاً فَتَمجه الروحُ بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تُورون ؛ تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون ؟ نحن جعلناها تذكرة، أي : إيقاظاً توقظ صاحبها ليلتجئ إلى مولاه، وفي الحِكَم :" وحرَّك عليك النفس ليُديم إقبالك عليه "، وجعلناها متاعاً للسائرين ؛ إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول : أما أنا فجزاها علي خيراً، ما ربحت إلاّ منها.
وقال القشيري : أفرأيتم النار... الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدّس الله سره - حين سُئل عن حقيقة المحبة، فقال : هي العناية الإلهية السرمدية، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جعلناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهتدوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعاً للمُقوين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياماً وليالي من الطعام والشراب، كما رُوي عن سهل التستري : أنه كان يطوي ثلاثين يوماً، وعن أبي عقيل المغربي : أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. هـ.
وقوله تعالى : فسبِّح باسم ربك العظيم قال الورتجبي : أَمَرَه أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال : والاسم والمسمى واحد، أي : قدسني بي فإني أعظم من أن تُقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله : العظيم أي : عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصِفه البرية. هـ.



١ أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث ٣٢٦٥، ومسلم في صفة الجنة حديث ٣٠..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير