ﭨﭩﭪﭫ

وتجعلون رزقَكم أنكم تُكذِّبون أي : وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي : وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة عليّ رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وتجعلون شكركم أنكم تكذِّبون أي : وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل : نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي : وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذّبون كونَه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون : مُطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل : مطلقاً، سدّاً للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم :" إذا ذُكرت النجوم فأمْسِكوا " ١، ومنهم مَن فصّل في المسألة، فقال : يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم :" تعوّذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب " ٢ وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : مواقع النجوم هي أسرار العارفين ؛ لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني ؛ لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبقَ لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية :

تبدّت لنا شمسُ النهارِ وأشرقتْ فلم يَبق ضوءُ النجمِ والشمسُ طالعُ
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان الفاسي : كنتُ أعرف أربعة عشر علماً، فلما تعلمتُ علم الحقيقة شرطت ذلك كله. هـ. يعني : وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبقَ للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك " ؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يُعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري : كنتَ الصاحِبَ في زمن البطالة، يعني : قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيماً ؛ لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علماً وتجلياً، " لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". فالقَسم عظيم، والمُقسَم به أعظم، والمُقسَم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، لا يسمّه إلاّ المطهرون قال الجنيد : لا يمسّه إلاّ العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. هـ. أي : لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلاّ القلوب المطهَرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين. تنزيل من رب العالمين على سيد المرسلين، ثم غرفت أسرارَه قلوبُ خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري : أي : أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. هـ. والعتاب لمَن يتهاون بعلم الإشارة ويُنكرها. ويتنكّب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها.

١ أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٧/٢٤٩٠، والسيوطي في الجامع الصغير حديث ٦١٥..
٢ أخرجه الترمذي في تفسير المعوذتين، حديث ٣٣٦٦، وأحمد في المسند ٢/٥٤١..

الإشارة : مواقع النجوم هي أسرار العارفين ؛ لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني ؛ لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبقَ لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية :
تبدّت لنا شمسُ النهارِ وأشرقتْ فلم يَبق ضوءُ النجمِ والشمسُ طالعُ
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان الفاسي : كنتُ أعرف أربعة عشر علماً، فلما تعلمتُ علم الحقيقة شرطت ذلك كله. هـ. يعني : وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبقَ للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك " ؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يُعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري : كنتَ الصاحِبَ في زمن البطالة، يعني : قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيماً ؛ لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علماً وتجلياً، " لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". فالقَسم عظيم، والمُقسَم به أعظم، والمُقسَم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، لا يسمّه إلاّ المطهرون قال الجنيد : لا يمسّه إلاّ العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. هـ. أي : لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلاّ القلوب المطهَرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين. تنزيل من رب العالمين على سيد المرسلين، ثم غرفت أسرارَه قلوبُ خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري : أي : أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. هـ. والعتاب لمَن يتهاون بعلم الإشارة ويُنكرها. ويتنكّب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير