ثم وبخهم على التقعد عن النهوض إليه، فقال :
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
قلت : ألم يأن : مجزوم بحذف الياء، من : أَنَى يأنِي، كمَضَى يمضي : إذا حان وقرب. و أن تخشع : فاعل. و لا يكونوا : عطف على " تخشع "، وقرأ رويس عن يعقوب بالخطاب، فيكون التفاتاً ؛ للاعتناء بالتحذير، أو نهياً.
يقول الحق جلّ جلاله : ألم يَأْنِ ألم يحضر، أو يقرب للذين آمنوا أن تخشع قُلوبُهم لذكر الله أو : ألم يجيء وقت خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى، وتطمئن به، ويسارعون إلى طاعته، بالامتثال لأوامره والاجتناب لنواهيه. قيل : كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا وأصابوا الرزق والنعمة، ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. وبه تعلم أنَّ الشدة هي عين الرخاء، وأنَّ الجلال هو الجمال، وأين هو حبيبك ثَمَّ هو عدوك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربعُ سنين. وعن ابن عباس رضي الله عنه : استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن.
وعن أبي بكر رضي الله عنه : إنَّ هذه الآية قُرئت بين يديه، وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاءً شديداً، فنظر إليهم فقال :" هكذا كنا حتى قست قلوبنا ". قلت : مراده بالقسوة : التصلُّب والتثبُّت للواردات، وذلك أنَّ القلب في البدايات يكون رطباً مغلوباً للأحوال والواردات، يتأثر بأدنى شيء، فإذا استمر مع الأنوار والواردات ؛ استأنس بها وتصلّب واشتد، فلا تؤثر فيه الواردات، فيكون مالكاً للأحوال، لا مملوكاً، وهذا أمر ذَوقْي، يرتفع البكاء عن العارفين، ويظهر على الصالحين والطالبين. وهذه الآية أيضاً كانت سبب توبة الفُضيل، كان صاعداً لجارية، فسمع قارئاً يقرأها، فقال : قد آن الخشوع والرجوع، فتاب.
والمراد بذكر الله ذكر اسمه تعالى على أي لفظ كان، كقوله : إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ. . . [ الأنفال : ٢ ] الآية، أو : القرآن، فيكون قوله : وما نَزَلَ من الحق عطف تفسير، أو لتغاير العنوانين، فإنه ذِكْرٌ وموعظة، كما أنه حقٌّ نازل من السماء. والمراد بالخشوع : الإنابة والخضوع، ومتابعة الأمر والنهي. ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبلُ أي : اليهود والنصارى، فطال عليهم الأمدُ الزمن بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبُهم باتباع الشهوات، وذلك أنَّ بني إسرائيل كان الحقُّ يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمِعوا التوراة خشعوا له، ورقَّت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلب عليهم الجفاء والقسوة، واختلفوا.
قال ابن مسعود : إن بني إسرائيل لمّا طال عليهم الأمد قست قلوبُهم، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم، استحلته أنفُسِهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثيرٍ من شهواتهم، حتى نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا : اعْرِضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم، وإلاَّ فاقتلوهم. ثم اتفقوا أن يرسلوه إلى عالمٍ من علمائهم، [ وقالوا ] : إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإلاَّ قتلتموه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة، وجعلها في قرن، وعلقها في عنقه، ثم لبس عليه ثيابه، وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا : أتؤمن بهذا ؟ فأومئ إلى صدره، وقال : آمنتُ بهذا - يعني المعلَّق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة. ه.
قال تعالى : وكثيرُ منهم فاسقون خارجون عن دينهم، رافضون لما في الكتابين، أي : وقليل منهم مؤمنون، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. وقال ابن عطية : الإشارة بقوله : أوتوا الكتاب إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام، ولذلك قال : من قبل ، وإنما شبّه أهل عصر نبي بأهل عصر نبي، وقوله : فطال عليهم الأمدُ قيل : أمد الحياة، وقيل : أمد انتظار القيامة. ه. وقال مقاتل : الأمد هنا : الأمل، أي : لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم. ه. قيل : إن الصحابة ملُّوا ملالة، فقالوا : حدِّثنا، فنزل : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : ٣ ]، وبعد مدة قالوا : لو ذَكَّرتَنا، فنزلت هذه السورة.
اعلموا أن الله يُحيي أرض القلوب بالعلم والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والجهل، قد بيَّنَّا الآيات لمَن يتدبّر ويعقل. إذا قسا القلبُ لم تنفعه موعظةٌ كالأرض إن سبختْ لم ينفع المطرُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي