ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

الآية ١٦ وقوله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق وما نزل قرئ مخففا ومثقلا١ ؛ فمن شدد شدد لما سبق من ذكر الله تعالى، ومن خفف جعل الفعل للحق.
ثم الآية تحتمل وجوها :
أحدها : ما قال بعض أهل التأويل : إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر : ألم يأن أي قد أنى للذين آمنوا ظاهرا، وأظهروا الموافقة للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي إذا ذكر الله وما نزل من الحق أي القرآن إذا يتلى عليهم أن ترق قلوبهم، وتؤمن به، لأنهم كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الدوائر/٥٥٠-أ/ويطمعون بهلاكه.
أمّن الله تعالى المؤمنين من ذلك، وآيس أولئك مما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال تعالى : ألم يأن للذين آمنوا ظاهرا أن تخشع قلوبهم لذكر الله والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به ؟ والله أعلم.
وقال٢ تعالى : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم على هذا التأويل ؛ أي لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساوة القلوب لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.
[ والثاني ]٣ : أن تكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث.
فيقول تعالى : ألم يأن للذين آمنوا به من قبل أن يبعث أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي كتابهم وما نزل من الحق وهو القرآن أن يؤمنوا به كما كانوا آمنو به لما وجدوا بعثه في كتابهم.
ويقول٤ تعالى : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل أي لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب فطال عليهم الأمد أي طال عليهم أن ينظروا في كتبهم فقست قلوبهم بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.
[ والثالث ]٥ : أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو مخرج على وجهين :
أحدهما : ألم يأن أي قد أنى أن تخشع قلوبهم لذكر الله بالنظر والتأمل٦ في ذلك، فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم [ كقوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [ الأنفال : ٢ ] جعل وصف المؤمنين أن توجل قلوبهم ]٧ عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين بالنظر فيه والتفكر وفهم ما فيه، والله أعلم.
والثاني : ألم يأن أي قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله ولا يكونوا كالذين أوتو الكتاب أي لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره، ولا تتركوا النظر فيه والتفكر، فتغفلوا عما فيه فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم، فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.
وقوله تعالى : وكثير منهم فاسقون أي كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون لتركهم النظر في الكتاب.
وجائز : وكثير منهم فاسقون أي المعاندون، والقليل منهم المقلدون، وهو كقوله تعالى : وأكثرهم للحق كارهون [ المؤمنون : ٧٠ والزخرف : ٧٨ ] أي معاندون، وهم الرؤساء، والقادة الذين كابروا رسل الله، وعاندوهم إلا قليلا٨ منهم اتبعوهم، وقلدوهم.

١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٨٦..
٢ في الأصل و م: ثم قوله..
٣ في الأصل و م: ويحتمل..
٤ في الأصل و م: ثم وقوله..
٥ في الأصل و م: ويحتمل..
٦ من م، في الأصل: و التأويل..
٧ ساقطة من م..
٨ في الأصل و م: قليل..

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية