ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا «١» فَلَا يَذْكُرُ عِنْدَ ذَلِكَ أَحَدٌ أَحَدًا» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ. وَأَخْرَجَ عَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّهُ كَانَ عَلَى سُورِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَبَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: هَاهُنَا أَخْبَرَنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى جَهَنَّمَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ هُوَ السُّورُ الَّذِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ الْمَسْجِدُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يَعْنِي وَادِي جَهَنَّمَ وَمَا يَلِيهِ.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ تَفْسِيرَ السُّورِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا السُّورِ الْكَائِنِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ مَا لَا يَدْفَعُهُ مَقَالٌ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ: «بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ» : الْمَسْجِدُ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مَا سِيقَتْ لَهُ الْآيَةُ وَغَيْرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَأَيْنَ يَقَعُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَوْ سُورُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّورِ الْحَاجِزِ بَيْنَ فَرِيقَيِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ؟ وَأَيُّ مَعْنًى لِذِكْرِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هَاهُنَا؟ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَنْزِعُ سُورَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيَجْعَلُهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ سُورًا مَضْرُوبًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَمَا مَعْنَى تَفْسِيرِ بَاطِنِ السُّورِ وَمَا فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ بِالْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسُوقُ فَرِيقَيِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلَ السُّوَرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجْعَلُ الْمُنَافِقِينَ خَارِجَهُ، فَهُمْ إِذْ ذَاكَ عَلَى الصِّرَاطِ وَفِي طَرِيقِ الْجَنَّةِ وَلَيْسُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا التَّفْسِيرِ ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا كَرَامَةَ وَلَا قَبُولَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ قَالَ: بِالشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَتَرَبَّصْتُمْ قَالَ: بِالتَّوْبَةِ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قَالَ: الْمَوْتُ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قَالَ: الشيطان.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
قَوْلُهُ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يُقَالُ: أَنَى لَكَ يَأْنِي أَنًى إِذَا حَانَ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «أَلَمْ يأن» وقرأ الحسن وأبو السّمّال «ألمّا يأن» وأنشد ابن السكيت:

ألمّا يئن لِي أَنْ تُجَلَّى عِمَايَتِي وَأُقْصِرَ عَنْ لَيْلَى بلى قد أنى ليا
وأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ فَاعِلُ يَأْنِ، أَيْ: أَلَمْ يَحْضُرْ خُشُوعُ قُلُوبِهِمْ وَيَجِيءُ وَقْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
(١). التحريم: ٨.

صفحة رقم 206

أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الْجَهْلَا وَأَنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ الْمُنِيرُ لَنَا عَقْلَا
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْحَسَنُ: يَسْتَبْطِئُهُمْ وَهُمْ أَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْخِطَابَ لِمَنْ آمَنَ بِمُوسَى وَعِيسَى دُونَ مُحَمَّدٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، حُثُّوا عَلَى الرِّقَّةِ وَالْخُشُوعِ، فَأَمَّا مَنْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالرِّقَّةِ وَالْخُشُوعِ فَطَبَقَةٌ فَوْقَ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينِ آمَنُوا فِي الظَّاهِرِ وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَحْثِ مَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالْخُشُوعُ: لِينُ الْقَلْبِ وَرِقَّتُهُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُورِثَهُمُ الذِّكْرُ خُشُوعًا وَرِقَّةً، وَلَا يَكُونُوا كَمَنْ لَا يَلِينُ قَلْبُهُ لِلذِّكْرِ وَلَا يَخْشَعُ لَهُ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِمَا نَزَلَ مِنَ الحق القرآن، فيحمل الذكر المعطوف عليه مَا عَدَاهُ مِمَّا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِاللِّسَانِ، أَوْ خُطُورٍ بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُوَ الْقُرْآنُ، فَيَكُونُ هَذَا الْعَطْفُ مِنْ بَابِ عطف التفسير، أو باعتبار تغاير الْمَفْهُومَيْنِ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «نَزَلَ» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ بِالتَّخْفِيفِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَ الجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو وفي رواية عنه مشدّد مبنيا للمفعول. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ «أُنْزِلَ» مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى الْغَيْبَةِ جَرْيًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بالفوقية على الحساب الْتِفَاتًا، وَبِهَا قَرَأَ عِيسَى وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى «تَخْشَعَ» أَيْ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ وَلَا يَكُونُوا، وَالْمَعْنَى: النَّهْيُ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَسْلُكُوا سَبِيلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ أَيْ: طَالَ عَلَيْهِمُ الزَّمَانُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِمْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «الْأَمَدُ» بِتَخْفِيفِ الدَّالِّ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِهَا، أَيِ:
الزَّمَنُ الطَّوِيلُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَمَدِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى الْأَجَلُ وَالْغَايَةُ، يُقَالُ: أَمَدُ فُلَانٍ كَذَا، أَيْ: غَايَتُهُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَلِذَلِكَ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا، فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أَيْ: خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَحَرَّفُوا وَبَدَّلُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا الْإِيمَانَ بِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ الْأَجْسَامَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيُلِينُ الْقُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا هَذِهِ الْآيَاتُ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أَيْ: كَيْ تَعْقِلُوا مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَتَعْمَلُوا بِمُوجَبِ ذَلِكَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَأَصْلُهُ الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ: «الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ» بِإِثْبَاتِ التَّاءِ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ فِيهِمَا مِنَ التَّصْدِيقِ، أَيْ: صَدَّقُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ فِي الْمُصَّدِّقِينَ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ صِلَةً لِلْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمَوْصُولَةِ حَلَّ مَحَلَّ الْفِعْلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ:
إِنَّ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وَأَقْرَضُوا، كَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: جُمْلَةُ وَأَقْرَضُوا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ إِنَّ وَخَبَرِهَا، وَهُوَ يُضاعَفُ. وَقِيلَ: هِيَ صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: وَالَّذِينَ أَقْرَضُوا، وَالْقَرْضُ

صفحة رقم 207

الْحَسَنُ: عِبَارَةٌ عَنِ التَّصَدُّقِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ خُلُوصِ نِيَّةٍ، وَصِحَّةِ قَصْدٍ، وَاحْتِسَابِ أَجْرٍ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُضاعَفُ لَهُمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ إِمَّا الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، أَوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إِلَى الْمُصَّدِّقِينَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: ثَوَابُهُمْ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: «يُضَاعِفُهُ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَزِيَادَةِ الْهَاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ «يُضَعَّفُ» بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَالْمُضَاعَفَةُ هُنَا أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ جَمِيعًا، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمَوْصُولِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَهُوَ صِدِّيقٌ. قَالَ الْمُقَاتِلَانِ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَشُكُّوا فِي الرُّسُلِ حِينَ أَخْبَرُوهُمْ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ لِلشُّهَدَاءِ خَاصَّةً، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ وَعَلَيْهِمْ، وَاخْتَارَ هَذَا الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقِيلَ: هُمْ أُمَمُ الرُّسُلِ يَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنْبِيَائِهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ جَمِيعًا بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِعُلُوِّ الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الصِّدِّيقِينَ هُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الصِّدْقِ حَيْثُ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا جَمِيعَ رُسُلِهِ، وَالْقَائِمُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّوْحِيدِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ بِسَبَبِ مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَقَالَ: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالضَّمِيرُ الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَالضَّمِيرَانِ الْأَخِيرَانِ راجعان إلى الصديقين والشهداء، أي: لهم مثل أجرهم ونورهم، وأما على قول من قال: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، فَالضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى: لَهُمُ الْأَجْرُ وَالنُّورُ الْمَوْعُودَانِ لَهُمْ. ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَثَوَابَهُمْ ذَكَرَ حَالَ الْكَافِرِينَ وَعِقَابَهُمْ فَقَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أَيْ: جَمَعُوا بَيْنَ الْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ الْآيَاتِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى الْمَوْصُولِ بِاعْتِبَارِ مَا فِي صِلَتِهِ مِنَ اتِّصَافِهِمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ، وَهَذَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يُعَذَّبُونَ بِهَا، وَلَا أَجْرَ لَهُمْ وَلَا نُورَ، بَلْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وَظُلْمَةٌ دَائِمَةٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اسْتَبْطَأَ اللَّهُ قُلُوبَ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ». وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
«خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَسَحَبَ رِدَاءَهُ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ:
أَتَضْحَكُونَ وَلَمْ يَأْتِكُمْ أَمَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ بِأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ؟! وَلَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ فِي ضَحِكِكُمْ آيَةً: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَبْكُونَ بِقَدْرِ مَا ضَحِكْتُمْ»
. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَقْبَلَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ: أَيَّ شَيْءٍ أَحْدَثْنَا؟ أَيَّ شَيْءٍ صَنَعْنَا؟. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأَ قُلُوبَ الْمُهَاجِرِينَ فَعَاتَبَهُمْ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ

صفحة رقم 208

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية