ثم سلى عباده عما يصيبهم، ومن جملة ذلك : الاغترار بالدنيا، فقال :
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .
قلت : في الأرض : نعت لمصيبة، أي : كائنة في الأرض، و( في كتاب ) : حال.
يقول الحق جلّ جلاله : ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض من الجدب وآفات الزروع والفواكه، ولا في أنفُسِكُم من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد إِلاَّ مكتوب في كتابٍ اللوح من قبل أن نبرأها أي : مِن قبل أن تخلق الأنفس أو المصائب، إِنّ ذلك على الله يسير أي : إن إثباتها في اللوح سهل على قدرته كلحظة، وكما كُتبت المصائب، كُتبت المسرات والمواهب، وقد يدلّ عليها قوله تعالى : لِكَيْلا تأسَوا .
ثم قال : ويُقال : إذا أردْتَ أن تعرفَ الرجلَ فاطلبْه عند الموارد، والتغيراتُ من علامات بقاء النفْس بأيّ وجهٍ كان. هـ. وقال الورتجبي عن الواسطي : العارف مستهلك في كُنه المعروف، فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه قصد فرح ولا أسى، قال الله تعالى : لِكَيلا تأسوا... الآية. هـ. قلت : وإليه أشار في الحِكَم بقوله :" ما تجده القلوب من الأحزان فلِما منعت من الشهود والعيان "، وقال ابن الفارض، في شأن الخمرة إذا دخلت القلب :لا يَفرحونَ إذا نالت رِماحُهُمُ قَوْماً وليسوا مجازيعاً إذا نِيلوا
أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام :" يا داود، قُل للصدِّيقين : بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا ". واحتجّ الغزالي بهذه الآية على أن الرزق لا يزيد بالطلب، ولا ينقص بتركه، ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان للأسى والفرح موضع، إذ هو قصَّر وتوانى حتى فاته، وشمَّر وجدّ حتى حصَّله، وقد قال صلى الله عليه وسلم للسائل :" ما لك، لو لم تأتها لأتتك " ٢، ثم أورد كون الثواب والعقاب مكتوبيْن، ويزيد بالطلب وينقص بتركه، ثم فرّق بأنّ المكتوب قسمان : قسم مكتوب مطلقاً، من غير شرط وتعليقٍ بفعل العبد، وهو الأرزاق والآجال، وقسم معلّق بفعل العبد، وهو الثواب والعقاب. هـ. وإن خطرتْ يوماً على خاطر امرئٍ أقامتْ به الأفراحُ وارتحلَ الهمّ
قلت : في تفريقه نظر، والحق : التفصيل في النظر، فمَن نظر لعالم الحكمة، وهو عالم التشريع، وجدهما معاً مقيدين بفعل العبد، أمّا الرزق الحسي فيأتي بسبب الفعل، إن توجه للأسباب ونقص من التقوى، وبغير سبب إن تجرّد من الأسباب، وحصل مقام التقوى ؛ لقوله تعالى : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً... [ الطلاق : ٢ ] الآية، فالمُتَّقِي المنقطع إلى الله ناب اللّهُ عنه في الفعل، ومَن نظر لعالم القدرة، وهو عالم الحقيقة، وجد الفعل كله من الله بلا واسطة لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون وكذلك أمر الرزق المعنوي، وهو الطاعة واليقين، التي يترتب عليهما الثواب والعقاب، فمَن نظر لعالَم الحكمة وجده مقيداً بسبب العبد واجتهاده، وبها جاءت الشريعة، ومَن نظر لعالَم القدرة امتحى العبد ووجوده، فضلاً عن فعله وتسبُّبه، فتأمّله.
قوله تعالى : والله لا يُحب كل مختال فخور قال القشيري : لأنّ الاختيال من بقاء النفس، والفخر رؤية خطر ما به يفتخر. هـ. الذين يبخلون بما عندهم من الأرزاق الحسية والمعنوية، والبخل بها علامة الفرح بها، والوقوف معها، وأمّا مَن وصل إلى شهود مُعطيهما ومُجريها فلا يبخل بشيء ؛ لغناه بالله عن كل شيء، ومَن يتولّ عن هذا كله، فإِنَّ الله الغني عنه وعن جميع الخلق، المحمود قبل وجود الخلق. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي