وأوضح كتاب الله مرة أخرى حكمة الحق سبحانه في إرسال الرسل وإنزال الكتب، وأنها لا ترمي إلا إلى شيء واحد وهو إسعاد الإنسان بالهداية والإرشاد، وإقامة ميزان العدل والمساواة بين العباد، وذلك قوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .
و " الكتاب " هنا إشارة إلى سجل الوحي الإلهي المتضمن للشرائع والأحكام، و " الميزان " هنا رمز إلى العدل الإلهي الذي أرسل الله به ولإقامته جميع الرسل والأنبياء، وكما جاء " الميزان " هنا معطوفا على " الكتاب " لأنه هو هدفه الأسمى وغايته الأخيرة، فقد جاء " الكتاب والحكم " و " الكتاب والحكمة " متعاطفين في عامة القرآن، تأكيدا لتلازم الشريعة الإلهية مع الحكم بها بأسلوب حكيم، وإقامة العدل على أساسها السليم. وذكْرُ القرآن الكريم { للميزان " في هذا السياق بصفته " رمزا للعدل " هو السبب الذي نبه غير المسلمين إلى أن يقتبسوا منه هذا الرمز، ويجعلوا صورة " الميزان " رمزا للعدالة في أختامهم ومنشوراتهم الخاصة بالقضاء.
وأشار كتاب الله إلى ما أنعم به على البشر من خلق معدن " الحديد " وتسخيره لحاجاتهم المدنية والعسكرية، فقال تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس . أما ما فيه من " البأس الشديد " فيتجلى في ردعه للمعتدين، وفي فصله الحاسم بين المتنازعين وأما ما فيه من " المنافع للناس " فشيء يفوق العد، ويتجاوز القياس، وما من حِرفة حِرفة وصناعة صناعة إلا وللحديد فيها سهم كبير، وللحديد في تطورها وازدهارها أكبر تأثير.
وقوله تعالى في نفس هذا السياق : وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ، تلميح إلى الجهاد بالسلاح في سبيل الله، حماية لنشر دينه، ودفاعا عن دعوته، مما يقوم به المسلمون بين الحين والحين، حفظا لوجودهم وكيانهم، وضمانا لنفوذهم وسلطانهم على بلدانهم، وعقب كتاب الله على ذلك، بما يفيد أن قوة الله وعزته لا تفتقران إلى نصرة أحد ولا إلى تأييده، لا بسلاح ولا بغيره، وأن مرد النصرة والدفاع في الحقيقة إنما هو نفس الدعوة الإسلامية وأهلها، الذين يجب أن يكونوا على أهبة الدفاع عن عقيدتهم وسيادتهم دائما، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : إن الله قوي عزيز٢٥ .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري