ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

... قال تعالى: لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات.. أي: الآيات الواضحات التي تلفت الناس إلى وجود الحق سبحانه وتؤيد الرسل الذين بعثهم الله لهداية الخلْق.
والآيات إما كونية وإما معجزات تؤيد الرسل، وإما آيات الكتاب الحكيم، وهي التي تحمل المنهج وتحمل الأحكام من الله للخلق وَأَنْزلْنَا مَعَهُم الكتَابَ.. أي: الكتب التي نزلت من عند الله، والكتاب هو الشيء المكتوب.
وَالميزَانَ.. أي: ميزان الحق الذي يزن الأشياء ويُحدّدها ويبيّنها، والميزان لا يخصّ الأشياء المادية التي لها كثافة فقط، بل ميزان يزن بالحق كل شيء مادي ومعنوي فقال في الماديات: وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزان بالقسْطِ.. ١٥٢ [الأنعام] وأمر بإقامة هذا الميزان في كل شيء.
وَإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أن تحْكُمُوا بالعدْلِ.. ٥٨ [النساء] حتى في المحاكم تجدهم يتخذون الميزان رمزاً للعدالة ويرفعونه شعاراً لهم، والميزان له كفتان متساويتان ليدل على الحكم العادل.
والميزان الذي جاء به الرسل هو الميزان الذي يميز بين الحق والباطل، فما دامت هناك رسل وآيات بينات ومنهج ينفع الناس وينظم حياتهم، فلا بدّ أنْ تستقيم حركة الحياة.
لذلك قال حذيفة: لقد مرّ عليّ زمان ما كنت أبالي أيكم بايعتُ، فلئن كان مسلماً ليردّنه عليّ دينه، وإنْ كان يهودياً أو نصرانياً ليردنه عليّ ساعيه –والساعي الذي يرقب حركة الناس ويتابعها- أما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلاناً وفلانا.
إذن: لا تستقيم الأمور إلا في ظل هذا المنهج، ولا سعادة للخلق إلا به، فإنْ طمس هذا المنهج فلا بد أنْ يحدث الخلل في الميزان، فيصير الحق باطلاً والباطل حقاً...
إذن: ردّ رسول الله الميزان إلى الدين والشرع، وإلى الكتاب والبينات، فمن التزم بالكتاب والبينات لم يكُنْ عنده حقّ وباطل، بل هو حقّ واحد بيّن ليس غيره، فإذا اختلف الناسُ في البينات فلا بدّ أنْ ينشأ الباطل فيأتي الميزان ليميز بين الحق والباطل.
لذلك قال سبحانه بعدها: وأنزلْنَا مَعَهُم الكتَابَ والميزَانَ ليَقُومَ النّاسُ بالقسْط.. أي: العدل، فالكتاب للتشريع وتنفيذ الأحكام، والميزان للغفلة إنْ حدثت أو المخالفة، فيبيّن الحق والباطل.
وما دام يقوم الناسُ بالقسط والعدل كلّ الدنيا ترتاح، إما قسط نابع من ضمير الأفراد، وإما قسط من القضاء الذي يحكم بينهم...
إذن: أنزلنا الكتاب للملتزم والميزَانَ.. الذي يفرق بين الحق والباطل لغير الملتزم لِيَقُوم النّاسُ.. جميعاً بالقسْطِ.. فحين يقتصّ من القاتل وتُقطع يد السارق لا يجرؤ أحدٌ على القتل ولا على السرقة. ولم يقُلْ ليقوم المؤمنون بالقسط إنما الناس كلّ الناس.
وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فيهِ بَأْسٌ ومنَافِعُ للنَّاسِ.. أي: كما أنزلنا الكتاب وأنزلنا الميزان أنزلنا كذلك الحديد، فالحديد وإنْ كان مكانه الأرض إلا أنّ أصله من أعلى، والحديد إشارة للقوة فمَن لم يردعه القرآن يردعه الحديد... فالحق سبحانه وتعلى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم كما أعطيناك القرآن أعطيناك الحديد والسيف فافعل به ما تشاء وجَابَه به الكفار والعصاة الذين لا يردعهم الكتاب...
وقوله تعالى فيه بأْسٌ شَدِيدٌ. دلّ على أن الحديد أقوى عدة في الحياة، والواقع يؤكد ذلك...
ثم هناك مهمة أخرى للحديد وَلِيَعْلَمَ اللهُ من ينصُرُهُ ورُسُلُه بالغيب.. وهنا إشارة إلى السيف الذي تكون به النصرة، فالسيف لمن لم يجد معه الكتاب والبينات.
وقوله تعالى: وليعْلَمَ اللهُ من ينصُرُه ورُسُلَهُ بالغيْبِ.. أي: علم الواقع وإلا فالله تعالى يعلم كل شيء أزلاً ولا يخفى عليه خافية، فليس المراد علم تقدير إنما علم واقع.
وقال: من ينصُرُهُ ورُسُلَهُ. لأن نُصْرة الله نُصْرة لرسل الله ونصرة رسُل الله نُصرة لله، لذلك قال: وأَطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرّسُول.. ٩٢ [المائدة] وقال: من يُطع الرّسُول فَقدْ أَطَاعَ اللهَ.. ٨٠ [النساء] لأن هنا تداخلاً في الأحكام...
وقوله بالغَيْبِ.. بالإيمان بالغيب ومشهد السيف، هذا يدافع عن قضية غيبية هي القيامة والله الذي لا تراه يدافع عن قضية غيبية، إنما عندما يحيي الملل بالكتاب أو السيف.
لذلك لما أصرَّ الكفار على كفرهم قال الله لرسوله: فأَعْرِض عَن من تولّى عن ذكْرِنَا.. ٢٩ [النجم] فالهمزة في أعرض همزة الإزالة يعني: دعهم وانصرف عن دعوتهم بالآيات والبينات.
ومعنى نصرة الله كما قال سبحانه: إن تنصُرُوا الله ينصُرْكُمْ.. ٧ [محمد] إن تنصروا الله بقوتكم ينصركم بقوته، إذن: أنت ما عليك إلا أنْ توجه وَمَا رَميتَ إذْ رَميْتَ ولكِنْ الله رَمَى.. ١٧ [الأنفال]
فالله تعالى قادر على إبادة هؤلاء الكفار في لمح البصر، فلماذا الحرب؟ قالوا: لو أهلكهم الله بأمر غيبي وبدون تدخّل المسلمين في حرب لقالوا آية كونية، لذلك قال تعالى: قَاتَلوهُم يُعذّبُهُم الله بأيْديكُم.. ١٤ [التوبة] بأيديكم أنتم فيكون الأمر أنكى.
وتختتم الآية بقوله سبحانه: إنّ الله قوّي عزيزٌ تؤكد أن الله تعالى هو صاحب القوة وصاحب العزة، حتى لا نفهم من قوله تعالى: ليَعْلم الله من ينصرُهُ ورُسُلُه بالغيب.. أن الله يحتاج إلى النصرة من خلقه.
فالله هو ذو القوة الغالب العزيز الذي لا يُغلب، وإنما قال لكم: انصروني لتكون أيديكم في يد الإمام وتكون النصرة بكم رفعة لكم، وحين يُقهر الأعداء يقهرون بكم ويذلون لكم أنتم.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير