ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

(لقد) لام قسم (أرسلنا رسلنا) أي الملائكة، قاله الزمخشري والمحلي، وفيه بعد، وجمهور المفسرين على حمل الرسل على البشر (بالبينات) أي بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة (وأنزلنا معهم الكتاب) المراد الجنس، فيدخل فيه كتاب كل رسول (والميزان ليقوم الناس بالقسط) قال قتادة ومقاتل بن حيان: الميزان العدل، والمعنى أمرناكم بالعدل كما في قوله: (والسماء رفعها ووضع الميزان)، وقوله: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل به، والمعنى ليتبعوا ما أمروا به من العدل فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة، والقسط العدل، وهو يدل على أن المراد بالميزان العدل، ومعنى إنزاله إنزال أسبابه وموجباته، وعلى القول بأن المراد به الآلة التي يوزن بها فيكون إنزاله بمعنى إرشاد الناس إليه، وإلهامهم الوزن به، ويكون الكلام من باب: (علفتها تبناً وماءاً بارداً).
(وأنزلنا الحديد) أي خلقناه كما في قوله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وهذا قول الحسن، والمعنى أنه خلقه وأخرجه من المعادن، وعلم الناس صنعته، وقيل: إنه نزل مع آدم (فيه بأس شديد) لأنه تتخذ منه آلات الحرب، قال الزجاج: يمتنع به ويحارب، والمعنى أنه تتخذ منه آلة للدفع وآلة للضرب، قال مجاهد: فيه جنة وسلاح وقوة وشدة (ومنافع للناس) أي أنهم ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه، مثل السكين والفأس والإبرة وآلات الزراعة والتجارة والعمارة، قال البيضاوي: ما من صنعة إلا والحديد آلتها أي له دخل في آلتها، وهذا الحصر كلي كما هو مشاهد.
(وليعلم الله من ينصره ورسله) معطوف على قوله: ليقوم أي لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت، ليقوم الناس، وليعلم الله علم مشاهدة

صفحة رقم 421

أو معطوف على علة مقدرة كأنه قيل: ليستعملوه وليعلم الله، والأول أولى، والمعنى أن الله أمر في الكتاب الذي أنزل بنصرة دينه ورسله فمن نصر دينه ورسله علمه ناصراً، ومن عصى علمه بخلاف ذلك، ومعنى (بالغيب) غائباً عنهم أو غائبين عنه.
(إن الله قوي عزيز) أي قادر على كل شيء غالب لكل شيء، وليس له حاجة في أن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين، قال أبو نصر العتبي: وقد كان يختلج في صدري معنى هذه الآية لجمعها بين الكتاب والميزان والحديد على تنافر ظاهرها في المناسبة، وبعدها قبل الروية والإستنباط، وسألت عدة من أعيان العلماء المذكورين بالتفسير، والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب، حتى أعملت التفكر، وأمعنت التدبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، فيرتهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد حظر فيه التعادي والتظالم، ورفض التباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم، بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما يصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب، دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع الصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة للعدل، يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل فألهمهم الله تعالى اتخاذ الآلة التي هي الميزان، فيما يأخذونه ويعطونه، لئلا يتظالموا بمخالفته، فيهلكوا به إذ لم يكن ينتظم لهم العيش مع سوغ ظلم البعض منهم على البعض.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) وذلك أنه تعالى جعل السماء علة للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات، فكان ما يخرج منها من أغذية العباد، ومرافق حياتهم، مضطراً إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن يتم ذلك إلا بهذه الآلة المذكورة، فنبه

صفحة رقم 422

الله تعالى على موقع الفائدة والعائدة بها، بتكرير ذكره، فكان ما تقدم ذكره معنى الكتاب والميزان.
ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للعامل بالسوية إنما يحفظ على إتباعهما ويضطر العالم إلى التزام أحكامهما بالسيف، الذي هو حجة الله تعالى على من جحد وعند، ونزع من صفة الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، فهذا السيف هو الحديد، الذي وصفه الله تعالى بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة الشعوب، متدانية الجنوب، محكمة المطالع، مقومة المبادىء والمقاطع، فظهر بهذا التأويل معنى الآية، وبان أن السلطان خليفة الله على خلقه، وأمينه على رعاية حقه، بما قلده من سيفه، ومكن له في أرضه. انتهى المقصود منه.
ولما ذكر إرسال الرسل إجمالاً أشار هنا إلى نوع تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم فقال:

صفحة رقم 423

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية