ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع : أي أيّ عذر لكم وأيّ مانع من الإيمان، وقد أزيحت عنكم العلل. و ما مبتدأ و لكم خبره و لا تؤمنون في محل نصب على الحال من الضمير في لكم ، والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وقيل : المعنى : أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا ؟ وجملة : والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبّكُمْ في محل نصب على الحال من ضمير «لا تؤمنون » على التداخل، و «لتؤمنوا » متعلق ب «يدعوكم » : أي يدعوكم للإيمان، والمعنى : أيّ عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه ؟ وجملة : وَقَدْ أَخَذَ ميثاقكم في محل نصب على الحال من فاعل يدعوكم على التداخل أيضاً : أي والحال أن قد أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان. قرأ الجمهور : وَقَدْ أَخَذَ مبنياً للفاعل، وهو الله سبحانه لتقدّم ذكره. وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول. إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ بما أخذ عليكم من الميثاق، أو بالحجج والدلائل، أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب فهذا من أعظم أسبابه وأوضح موجباته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يوشك أن يأتي قوم تحرقون أعمالكم مع أعمالهم»، قلنا من هم يا رسول الله ؟ أقريش ؟ قال :«لا، ولكنهم أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوباً» فقلنا : أهم خير منا يا رسول الله ؟ قال :«لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مدّ أحدكم ولا نصيفه، إلاّ أن هذا فصل ما بيننا وبين الناس لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل الآية». وهذا الحديث قال ابن كثير : هو غريب بهذا الإسناد، وقد رواه ابن جرير ولم يذكر فيه الحديبية. وأخرج أحمد عن أنس قال : كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن : تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها ؟ فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم» والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» وفي لفظ «ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية