المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه عليم بالسر والنجوى، وأنه لا تخفى عليه خافية من أمرهم، فهو عليم بما يكون من التناجي بين الثلاثة والخمسة والأكثر والأقل، ومجازيهم على ما يكون به التناجي- خاطب رسوله معجّبا له من اليهود والمنافقين الذين نهوا عن التناجي دون المؤمنين، فعادوا لما نهوا عنه، وما كان تناجيهم إلا بما هو إثم وعدوان على غيرهم، ثم ذكر أنهم كانوا إذا جاؤوا الرسول حيوه بغير تحية الله، فيقولون له : السام عليك ( يريدون الموت )، ثم يقولون في أنفسهم : لو كان رسولا لعذبنا الله للإستخفاف به، وإن جهنم لكافية جد الكفاية لعذابهم ؛ ثم نهى المؤمنين أن يفعلوا مثل فعلهم، بل يتناجون بالبر والتقوى ؛ ثم بين أن التناجي بالإثم والعدوان من الشيطان ولن يضيرهم شيء منه إلا بإذن الله، فعليه فليتوكلوا.
ثم بين البعث لهم على هذه النجوى والمزين لهم ذلك فقال : إنما النجوى من الشيطان ، أي إنما التناجي بالإثم والعدوان من وسوسة الشيطان وتزيينه.
ثم ذكر السبب الذي حداه إلى ذلك فقال : ليحزن الذين آمنوا وليس بضارّهم شيئا إلا بإذن الله ، أي إنما فعل ذلك ليسوء الذين آمنوا بإيهامهم أن ذلك في نكبة أصابتهم، وليس الشيطان بضارّ المؤمنين شيئا إلا بإرادة الله ومشيئته.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي إن ما يتناجى به المنافقون مما يحزن المؤمنين إن وقع، فإنما يكون بإرادة الله ومشيئته، فلا يكترثنّ المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلنّ على الله ولا يحزننّ.
وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي إذا كان في ذلك أذى لمؤمن. أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه ).
تفسير المراغي
المراغي