ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر حال أولئك المنافقين الذين يحلفون كذبا إنهم مؤمنون، ويمالئون المؤمنين طورا واليهود طورا آخر اكتسابا لرضا الفريقين، ثم بين أن الذي حملهم على ذلك هو الشيطان، إذ غلبهم على أمرهم حتى أنساهم ذكر الله وما يجب له من تعظيم ووجوب اعتقاد باليوم الآخر، ثم حكم عليهم بأن صفقتهم خاسرة، لأنهم باعوا الباقي بالفاني والزائل الذي لا دوام له بما هو دائم أبدا سرمدا- بين هنا سبب خسرانهم وهو أنهم شاقوا الله ورسوله وعصوا أمرهما، فكتب عليهم الذلة في الدنيا والآخرة، إذ قد قضى بأن العزة والغلب له ولرسله، والذلة لأعدائه ؛ ثم ذكر أن الإيمان الحق لا يجتمع مع موالاة أعدائه مهما قرب بهم النسب بأن كانوا آباء أو أبناء أو إخوانا أو من ذي العشيرة، لأن المحادين كتبت عليهم الذلة، وأولئك كتبت لهم العزة، وقواهم ربهم بالطمأنينة والثبات على الإيمان، وهم جند الله وناصرو دينه، وحزب الله مفلح لا محالة وقد كتبت له السعادة في الدارين كما قال : يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [ محمد : ٧ ].
وأيدهم : أي قواهم، بروح من عنده : أي بنور يقذفه في قلب من يشاء من عباده، لتحصل له الطمأنينة والسكينة.
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أي لا تجد قوما يجمعون بين الإيمان بالله واليوم الآخر، وموادّة أعداء الله ورسوله، لأن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين، إذ من كان مؤمنا حقا لا يوالي كافرا، فمن أحب أحدا امتنع أن يوالي عدوه، والمراد من موالاته مناصحته وإرادة الخير له في الدين والدنيا، أما المخالطة والمعاشرة فليست بمحظورة ؛ولقد أصاب المسلمين اليوم من ذلك بلاء شديد، فإنا نرى الأمم الإسلامية أصبحت في أخريات الأمم، وأبناؤها في شمال إفريقية وفي مصر وغيرها يوالون الإفرَنجة وينصرونهم على أبناء جنسهم، ولو كان في هذا ذل لهم ولدينهم وأمتهم، ولن يزول هذا إلا بالاستشعار بالعزة والكرامة القومية والدفاع عن حوزة الدين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
ثم بالغ في الزجر وأبان أنه لا ينبغي لمؤمن أن يفعل ذلك ولو مع الأقارب كالآباء الذين يجب طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف، أو الأبناء الذين هم فلذات الأكباد ؛ أو الإخوان الذين هم الناصرون لهم، أو العشيرة الذين يعتمد عليهم بعد الإخوان.
والخلاصة : إنه لا يجتمع إيمان مع موادة أعداء الله، لأن من أحب أحدا امتنع من محبة عدوه، فإذا حصل في القلب مودة أعداء الله لم يحصل فيه الإيمان الصحيح وكان صاحبه منافقا.
أخرج الطبراني والحاكم والترمذي مرفوعا :( يقول الله تبارك وتعالى : وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي، ويعاد أعدائي )، وأخرج الديلمي من طريق الحسن عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تجعل لفاجر ولا لغاش علي يدا ولا نعمة فيوده قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت إلي : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله .
قيل إن الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال : حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر صكة سقط بها على وجهه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :( أفعلت يا أبا بكر ؟ ) قال نعم، قال :( لا تَعُد )، قال والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته.
وقيل نزلت في أبي عبيدة بن عبد الله الجراح، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : جعل والد أبي عبيدة يتصدى له يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصدَه أبو عبيدة فقتله فنزلت : لا تجد قوما الآية.
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان أي أولئك الذين سلفت أوصافهم أثبت الله في قلوبهم الإيمان، والإيمان نعمة عظيمة لا تحصل لمن يوادّ من حادّ الله ورسوله.
وفي هذا مبالغة في الزجر عن موادة أعداء الله.
ثم ذكر سببا آخر يمنع من موادتهم فقال :
وأيده بروح منه أي إنه قواهم بطمأنينة القلب والثبات على الحق، فلا يبالون بموادة أعداء الله ولا يأبهون لهم.
ثم ذكر ما أعده لهم من النعيم المقيم فقال :
ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أي ماكثين فيها أبدا. ثم ذكر السبب فيما أفاض الله عليهم من نعمة فقال :
رضي الله عنهم ورضوا عنه أي أغدق عليهم من رحمته العاجلة والآجلة، فأدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوا عنه لابتهاجهم بما أوتوه عاجلا وآجلا، فإنهم لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى- عوضهم الله بالرضا عنه، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم.
ثم أشاد بتشريفهم فجعلهم جنده تعالى فقال :
أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون أي أولئك أنصار الله وجنده وأهل كرامته، وهم أهل الفلاح والسعادة والنصرة في الدنيا والآخرة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير