تمهيد :
في ختام سورة المجادلة يذكر القرآن خسارة المنافقين، وسبب خسارتهم وهو مشاقة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أمرهما، ثم أخبر سبحانه وتعالى عن قضائه المبرم بنصر الرسل وهزيمة أعدائهم، ثم ذكر أن الإيمان لا يجتمع في القلب مع مودّة أعداء الله، لأن من أحب أحدا امتنع أن يحب مع ذلك عدوّه.
المفردات :
يوادون من حاد الله : يصادقون.
ولو كانوا آباءهم : ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم.
أو عشيرتهم : العشيرة هي القبيلة، والجمع عشيرات وعشائر.
كتب في قلوبهم الإيمان : أثبت الإيمان في قلوبهم.
أيدهم : قوّاهم.
بروح منه : بنور من عند الله يقذفه في القلوب، فتطمئن وتسكن.
حزب الله : جنده وأنصار دينه، يتبعون أمره ويجتنبون نهيه.
هم المفلحون : الفائزون بخير الدّارين.
أسباب نزول الآية ٢٢
لَا تَجِدُ قَوْمًا...
أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس عن عبد الله بن شوذب، قال : نزلت هذه الآية في عبيدة بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، فنزل قوله تعالى :
لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ... الآية.
وقال الرازي : إن الأكثرين اتفقوا على أن قوله تعالى : لَا تَجِدُ قَوْمًا ... نزل في حاطب بن أبي بلتعة، وإخباره أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم لما أراد فتح مكة.
التفسير :
٢٢- لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
لا ينبغي ولا يجوز لمن آمن بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، أن يجمع في قلبه بين الإيمان بالله واليوم الآخر، وبين حب الكافرين الفاسقين، لأن من أحب الله ورسوله كره عدوهما من الكفار والفسّاق والمنافقين، ولو كان هذا الكافر أقرب الناس إليه، كالأب والابن والأخ والقريب من العشيرة، هؤلاء هم المؤمنون الصادقون الذين أخلصوا إيمانهم لله، واستعلوا بإيمانهم على موالاة أعداء الله مهما كانت قرابتهم.
أولئك ثبَّت الله الإيمان في قلوبهم، كما يثبت القول والعهد بكتابته، ومنحهم الرضا والتوفيق، والهدى والروح الطاهرة المتصلة بالله، وأعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها نعيم مقيم، وخلود أبدي سرمدي، مع قربهم من الله تعالى ورضوانه عنهم، فقد فقدوا مودة آبائهم وأقاربهم من أجل مرضاة الله، فعوضهم الله رضوانه عليهم، فلا يسخط عليهم أبدا، ومنحهم الرضا بالجنة ونعميها، والرضا لقربهم من ربهم ومحبته، فيا لها من نعمة، نعمة الرضا المتبادل بينهم وبين ربهم وخالقهم، الرضا بين العبد الفاني والإله الباقي، الرضا بين المخلوق الضعيف والخالق القوي المتين، الرضا بين مؤمن أرضى ربه في الدنيا فأرضاه الله في الآخرة.
أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
هؤلاء أحباب الله وأولياؤه، وأهل رضاه ومحبته، ومن كان في طريق الله ومرضاته فإنه أهل للفلاح والنجاح، والفوز في الدنيا، والسعادة في الآخرة.
في أعقاب تفسر الآية
قال ابن كثير في تفسيره :
نزلت هذه الآية في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر، وفي أبي بكر الصديق همَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، وفي عمر بن الخطاب قتل قريبا له يومئذ، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ. ١ه.
أي أن منهم من قتل أباه، ومنهم من قتل ابنه، ومنهم من قتل أخاه، ومنهم من قتل قريبا له، ومنهم من قتل بعض أفراد عشيرته وأسرته ؛ فأنزل الله تعالى : وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...
ومعنى هذا أن الله أنزل هذه الآية فيهم، أي أنها مما ينطبق معناها عليهم، ومما يشرح بعض مدلول الآية، فقد قال علماء علوم القرآن :( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب )، أي أن الآية عامة في كل مؤمن يجعل مودَّته وطاعته وإخلاصه لله، ولا يوالي أي قريب أو حبيب إذا كان من أعداء الله، والآية مع ذلك تنطبق على أفراد من الصحابة قتلوا بعض أقاربهم مرضاة لله تعالى في غزوة بدر، أو في غيرها من المواقع.
من تفسير القاسمي بتصرف
تنبيهات
الأول :
من أشباه هذه الآية قوله تعالى : لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ... ( آل عمران : ٢٨ ).
وقوله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ . ( التوبة : ٢٤ ).
قال ابن كثير :
ومن هذا القبيل حيث استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يُفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر : لا أرى يا رسول الله، هل تمكنني من فلان – قريب لعمر – فأقتله، وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين ؟.
الثاني :
قال ابن كثير : في قوله تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه... سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم.
الثالث :
يفهم من قوله تعالى : حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... وقوله في آية أخرى : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء... ( الممتحنة : ١ ). أن المراد بهم المحاربون لله ولرسوله، الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء، وهم الذين أخبر عنهم قبل بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، فتشمل الآية المشركين وأهل الكتاب المحاربين المحادين لنا، أي الذين على حد منا ومجانبة لشئوننا، تحقيقا لمخالفتنا، وترصدا للإيقاع بنا. وأما أهل الذمة الذين بين أظهرنا، ممن رضي بأداء الجزية لنا وسالمنا، واستكان لأحكامنا وقضائنا، فأولئك لا تشملهم الآية، لأنهم ليسوا بمحادّين لنا بالمعنى الذي ذكرناه، ولذا كان لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وجاز التزوج منهم، ومشاركتهم، والاتجار معهم، وعيادة مرضاهم، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم يهوديّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم – كما رواه البخاري. xxv
وعلى الإمام حفظهم والمنع من أذاهم، واستنقاذ أسراهم، لأنه جرت عليهم أحكام الإسلام، وتأبد عهدهم، فلزمه ذلك كما لزم المسلمين – كما في ( الإقناع ) و( شرحه ).
وقال ابن القيّم في ( إغاثة اللهفان ) في الرد على المتنطعين الذين لا تطيب نفوسهم بكثير من الرخص المشروعة : ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب من دعاه فيأكل طعامه، وأضافه يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة، وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب، وشرط عمر رضي الله عنه ضيافة من مرّ بهم من المسلمين وقال : أطعموهم مما تأكلون. وقد أحل الله عز وجل ذاك في كتابه، ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه فقال : أين هو ؟ قالوا : في الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعليّ رضي الله عنه : اذهب بالناس. فذهب علي بالمسلمين، فدخلوا وأكلوا، وجعل عليّ رضي الله عنه ينظر إلى الصورة وقال : ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل. انتهى.
والأصل في هذا قوله تعالى : لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( ٨ ) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . ( الممتحنة : ٨-٩ ).
قال السيد ابن المرتضى اليمانيّ في ( إيثار الحق ) : عن الإمام المهديّ محمد بن المطهّر أن الموالاة المحرمة بالإجماع هي أن تحب الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته، لا لسبب آخر، من جلب نفع أو دفع ضرر، أو خصلة خير فيه. وسيأتي في أول سورة الممتحنة زيادة على هذا إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيقxxvi.
i في ظلال القرآن، بقلم سيد قطب ٢٨/٨.
ii بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ١/٤٥٦
iii أخرجه أحمد وأبو داود.
iv رواه ابن جرير، قال ابن كثير : وإلى ما ذكرناه ذهب ابن عباس والأكثرون. وانظر مختصر تفسير ابن كثير تحقيق محمد علي الصابوني المجلد الثالث ص ٤٥٩.
v حكاه الآلوسي.
vi حكاه القرطبي.
vii انظر تفسير المراغي والآلوسي، والتفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية.
viii الحمد لله الذي وفق :
رواه أبو داود في الأقضية ( ٣٥٩٢ ) والترمذي في الأحكام ( ١٣٧٢ ) والدارمي في المقدمة ( ١٦٨ ) وأحمد في مسنده ( ٢١٥٠٢-٢١٥٥٦-٢١٥٩٥ ) عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال : " كييف تقضي إذا عرض لك قضاء " ؟ قال : " أقضي بكتاب الله، قال : " فإن لم تجد في كتاب الله " ؟ قال : فبسنة رسول الله، قال : " فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله " ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صدره وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ". قال أبو عيسى : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقال الزيلعي في نصب الراية : وأخرجاه أيضا عن أناس من أصحاب معاذ أن رسول الله... مرسلا، قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بمتصل، انتهى. وقال البخاري في " تاريخه الكبير " : الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي عن أصحاب معاذ عن معاذ، روى عنه أبو عون، ولا يصح، ولا يعرف إلا بهذا، مرسل، انتهى. وفيه كتاب. ورواه النسائي في آداب القضاء ( ٥٣٩٩ ) والدارمي في المقدمة ( ١٦٧ ) عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولم يقض به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى لتأخر إلا خيرا لك، والسلام عليكم.
ix مهلا يا عائشة إن لله يحب الرفق :
رواه البخاري في الأدب ( ٦٠٢٤ ) ومسلم في السلام ( ٢١٦٥ ) من حديث عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة