غَرَضَهُ أَنْ تُؤْمِنُوا باللَّه، وَلَا تَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْكُفْرِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ وَعَدَمَ الْكُفْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ مَنْ أَدْخَلَ الْعَمَلَ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: أَمَرَهُمْ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهَا لِيَصِيرُوا بِعَمَلِهَا مُؤْمِنِينَ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا باللَّه بِعَمَلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ)، وَنَحْنُ نَقُولُ الْمَعْنَى ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا باللَّه بِالْإِقْرَارِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَكَّدَ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ أَيْ لِمَنْ جَحَدَ هَذَا وكذب به.
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٥]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥)
وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْمُحَادَّةِ قَوْلَانِ قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَصْلُ المحادة الممانعة، ومنه يقال للبواب: حداد، وللمنوع الرِّزْقِ مَحْدُودٌ، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ: الْمُحَادَّةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيدِ، وَالْمُرَادُ الْمُقَابَلَةُ بِالْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مُنَازَعَةً شَدِيدَةً شَبِيهَةً بِالْخُصُومَةِ بِالْحَدِيدِ، أَمَّا الْمُفَسِّرُونَ فَقَالُوا:
يُحَادُّونَ أَيْ يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ، وَذَلِكَ تَارَةً بِالْمُحَارَبَةِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّه وَتَارَةً بِالتَّكْذِيبِ وَالصَّدِّ عَنْ دِينِ اللَّه.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: يُحَادُّونَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُوَادُّونَ الْكَافِرِينَ وَيُظَاهِرُونَ عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَذَلَّهُمُ اللَّه تَعَالَى، وَيَحْتَمِلُ سَائِرَ الْكُفَّارِ فَأَعْلَمَ اللَّه رَسُولَهُ أَنَّهُمْ كُبِتُوا أَيْ خُذِلُوا، قَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ: كَبَتَ اللَّه فُلَانًا إِذَا أَذَلَّهُ، وَالْمَرْدُودُ بِالذُّلِّ يُقَالُ لَهُ: مَكْبُوتٌ، ثُمَّ قَالَ:
كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ: وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ/ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ:
وَلِلْكافِرِينَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: عَذابٌ مُهِينٌ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وَكِبْرِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ عَذَابَ هَؤُلَاءِ الْمُحَادِّينَ فِي الدُّنْيَا الذُّلُّ وَالْهَوَانُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى مَا بِهِ يَتَكَامَلُ هَذَا الوعيد فقال:
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٦]
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)
يَوْمَ منصوب بينبئهم أو بمهين أَوْ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ، تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ، وَفِي قَوْلِهِ: جَمِيعاً قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: كُلَّهُمْ لَا يُتْرَكُ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرَ مَبْعُوثٍ وَالثَّانِي: مُجْتَمِعِينَ فِي حَالٍ واحدة، ثم قال: فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا تجليلا لَهُمْ، وَتَوْبِيخًا وَتَشْهِيرًا لِحَالِهِمُ، الَّذِي يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَهُ الْمُسَارَعَةَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الخزي على رؤس الْأَشْهَادِ وَقَوْلُهُ: أَحْصاهُ اللَّهُ أَيْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ أحوال تلك الأعمال من المكية وَالْكَيْفِيَّةِ، وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَنَسُوهُ لِأَنَّهُمُ اسْتَحْقَرُوهَا وَتَهَاوَنُوا بِهَا فَلَا جَرَمَ نَسُوهَا: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَيْ مُشَاهِدٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ألبتة.
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٧]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
[في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.]
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَكَّدَ بَيَانَ كَوْنِهِ عَالِمًا بكل المعلومات فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَمْ تَرَ أَيْ أَلَمْ تَعْلَمْ وَأَقُولُ هَذَا، حَقٌّ لِأَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى عَالِمًا بِالْأَشْيَاءِ لَا يُرَى، وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِوَاسِطَةِ الدَّلَائِلِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا، هُوَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ مُنْتَسِقَةٌ مُنْتَظِمَةٌ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ كَذَلِكَ فَهُوَ عَالِمٌ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فَمَحْسُوسَةٌ مشاهدة في عجائب السموات وَالْأَرْضِ، وَتَرْكِيبَاتِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فَبَدِيهِيَّةٌ، وَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ ظَاهِرًا لَا جَرَمَ بَلَغَ هَذَا الْعِلْمُ وَالِاسْتِدْلَالُ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الظُّهُورِ وَالْجَلَاءِ، وصار جَارِيًا مَجْرَى الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ لَفْظَ الرُّؤْيَةِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ وَأَمَّا أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، فَلِأَنَّ عِلْمَهُ عِلْمٌ قَدِيمٌ، فَلَوْ تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْمَعْلُومَاتِ مُشْتَرِكَةٌ فِي صِحَّةِ الْمَعْلُومِيَّةِ لَافْتَقَرَ ذَلِكَ الْعِلْمُ فِي ذَلِكَ التَّخْصِيصِ إِلَى مُخَصِّصٍ، وَهُوَ عَلَى اللَّه تَعَالَى مُحَالٌ فَلَا جَرَمَ وجب كونه تعايل عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَمَا في السموات وَفِي رِعَايَةِ هَذَا التَّرْتِيبِ سِرٌّ عَجِيبٌ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى خَصَّ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ مِنَ النَّجْوَى فَقَالَ:
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ مَا تَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ بِالتَّاءِ ثُمَّ قَالَ وَالتَّذْكِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَامَّةُ هُوَ الْوَجْهُ، لِمَا هُنَاكَ مِنَ الشِّيَاعِ وَعُمُومِ الْجِنْسِيَّةِ، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنِ امْرَأَةٍ، وَمَا حَضَرَنِي مِنْ جَارِيَةٍ، وَلِأَنَّهُ وَقَعَ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَهُوَ كَلِمَةُ مِنْ، وَلِأَنَّ النَّجْوَى تَأْنِيثُهُ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، وَأَمَّا التَّأْنِيثُ فَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: مَا تَكُونُ نَجْوَى، كَمَا يُقَالُ: مَا قَامَتِ امْرَأَةٌ وَمَا حَضَرَتْ جَارِيَةٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: مَا يَكُونُ مِنْ كَانَ التَّامَّةِ، أَيْ مَا يُوجَدُ وَلَا يَحْصُلُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: النَّجْوَى التَّنَاجِي وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ [النساء:
١١٤] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: النَّجْوَى مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ وَنَجَا، فَالْكَلَامُ الْمَذْكُورُ سِرًّا لَمَّا خَلَا عَنِ اسْتِمَاعِ الْغَيْرِ صَارَ كَالْأَرْضِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَإِنَّهَا لِارْتِفَاعِهَا خَلَتْ عَنِ اتِّصَالِ الْغَيْرِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ تُجْعَلَ النَّجْوَى وَصْفًا، فَيُقَالُ: قَوْمٌ نجوى، وقوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الإسراء: ٤٧] وَالْمَعْنَى، هُمْ ذَوُو نَجْوَى، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَصْدَرٍ وُصِفَ بِهِ. صفحة رقم 489
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: جَرُّ ثَلَاثَةٍ فِي قَوْلِهِ: مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالْإِضَافَةِ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّجْوَى بِمَعْنَى الْمُتَنَاجِينَ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَا يَكُونُ مِنْ مُتَنَاجِينَ ثَلَاثَةً فَيَكُونُ صِفَةً.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ (ثَلَاثَةً) وَ (خَمْسَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، بِإِضْمَارِ يَتَنَاجَوْنَ لِأَنَّ نَجْوَى يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ وَالْخَمْسَةَ، وَأَهْمَلَ أَمْرَ الْأَرْبَعَةِ فِي الْبَيْنِ، وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الرَّحْمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ إِذَا اجْتَمَعُوا، فَإِذَا أَخَذَ اثْنَانِ فِي التَّنَاجِي وَالْمُشَاوَرَةِ، بَقِيَ الْوَاحِدُ ضَائِعًا وَحِيدًا، فَيَضِيقُ قَلْبُهُ فَيَقُولُ اللَّه تَعَالَى: أَنَا جَلِيسُكَ وَأَنِيسُكَ، وَكَذَا الْخَمْسَةُ إِذَا اجْتَمَعُوا بَقِيَ الْخَامِسُ وَحِيدًا فَرِيدًا، أَمَّا إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَرِيدًا، / فَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنِ انْقَطَعَ عَنِ الْخَلْقِ مَا يَتْرُكُهُ اللَّه تَعَالَى ضَائِعًا وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعَدَدَ الْفَرْدَ أَشْرَفُ مِنَ الزَّوْجِ، لِأَنَّ اللَّه وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَخَصَّ الْأَعْدَادَ الْفَرْدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَقَلَّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْمُشَاوَرَةِ الَّتِي يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهَا تَمْهِيدَ مَصْلَحَةِ ثَلَاثَةٍ، حَتَّى يَكُونَ الِاثْنَانِ كَالْمُتَنَازِعَيْنِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالثَّالِثُ كَالْمُتَوَسِّطِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا، فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ تِلْكَ الْمَشُورَةُ وَيَتِمُّ ذَلِكَ الْغَرَضُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ جَمْعٍ اجْتَمَعُوا لِلْمُشَاوَرَةِ، فَلَا بُدَّ فِيهِمْ مِنْ وَاحِدٍ يَكُونُ حَكَمًا مَقْبُولَ الْقَوْلِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ أَرْبَابُ الْمُشَاوَرَةِ عَدَدُهُمْ فَرْدًا، فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ الْفَرْدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَاكْتَفَى بِذِكْرِهِمَا تَنْبِيهًا عَلَى الْبَاقِي وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، اجْتَمَعُوا عَلَى التناجي مغايظة للمؤمنين، وكانوا على هذين العدين، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَبِيعَةَ وَحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، كَانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّه مَا تَقُولُ؟
وَقَالَ الثَّانِي: يَعْلَمُ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، وَقَالَ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ الْبَعْضَ فَيَعْلَمُ الْكُلَّ وَخَامِسُهَا: أَنَّ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا اللَّه رَابِعُهُمْ، وَلَا أَرْبَعَةٍ إِلَّا اللَّه خَامِسُهُمْ، وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا اللَّه سَادِسُهُمْ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا اللَّه مَعَهُمْ إِذَا أَخَذُوا فِي التَّنَاجِي).
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قُرِئَ: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلا أَكْثَرَ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفًا عَلَى مَحَلِّ (لَا) مَعَ (أَدْنَى)، كَقَوْلِكَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةٌ إِلَّا باللَّه، بِفَتْحِ الْحَوْلِ وَرَفْعِ الْقُوَّةِ وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَرْفُوعَيْنِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، كَقَوْلِكَ: لَا حَوْلٌ وَلَا قُوَّةٌ إِلَّا باللَّه وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُهُمَا عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ مِنْ نَجْوى كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا يَكُونُ أَدْنَى وَلَا أَكْثَرُ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ، وَالْخَامِسُ:
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَجْرُورَيْنِ عَطْفًا عَلَى نَجْوى كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا يَكُونُ مِنْ أَدْنَى وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قُرِئَ: ولا أكبر بالباء المنقطعة مِنْ تَحْتُ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى رَابِعًا لَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى مَعَهُمْ كَوْنُهُ تَعَالَى عَالِمًا بِكَلَامِهِمْ وَضَمِيرِهِمْ وَسِرِّهِمْ وَعَلَنِهِمْ، وَكَأَنَّهُ تَعَالَى حَاضِرٌ مَعَهُمْ وَمَشَاهِدٌ لَهُمْ، وَقَدْ تَعَالَى عَنِ الْمَكَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَرَأَ بَعْضُهُمْ: ثُمَّ يُنْبِئُهُمْ بِسُكُونِ النُّونِ، وَأَنْبَأَ وَنَبَّأَ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أَيْ يُحَاسِبُ عَلَى ذَلِكَ وَيُجَازِي عَلَى قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي