ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

أفغير الله ابتغى حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ١١٤ ( الأنعام : آية ١١٤ ).
قرأ هذا الحرف جمهور القراء ما عدا حفصا، وابن عامر : منزل من ربك بالحق بصيغة اسم مفعول ( أنزل ). وقرأه حفص عن عاصم، وابن عامر منزل بصيغة اسم مفعول من ( نزل ) مضعفا.
كان كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : احتكم معنا إلى علماء اليهود والنصارى، الذين عندهم بقية علم من التوراة والإنجيل، ليخبرونا أأنت رسول حقا أم لا.
وقال بعضهم : قالوا له : نحن وأنت اختلفنا فلنتحاكم إلى بعض الكهنة، فبين الله جل وعلا – أمر نبيه أن يبين – أنه لا يبتغي حكما غير الحكم العدل، خالق السماوات والأرض، الذي أنزل هذا الكتاب وفصله. وأهل الكتاب الذين تريدون أن نتحاكم معكم إليهم يعلمون أن هذا الكتاب حق، وأنه منزل من الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رسولا حقا. كما أخذ عليهم بذلك العهد في كتبهم، كما قدمناه مرارا.
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ( البقرة : آية ١٤٦ ) وقد أخذ الله العهد على جميع الرسل، وعلى أممهم أن منهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن به ويصدقه، كما قدمنا بيانه في سورة آل عمران في قوله : وإذ أخد الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين٨١ ( آل عمران : آية ٨١ ) ومعنى الآية الكريمة : قل لهم يا نبي الله : أأضل عن سواء الطريق ضلالا بعيدا في الحكومة فأبتغي حكما غير الله ؟ ! لا يكون ذلك مني أبدا.
قال بعض العلماء : والحكم : أعظم من الحاكم، لأن الحكم لا تكاد العرب تطلقه إلا على من هو معروف بالإنصاف والعدالة في حكومته، أما الحاكم فيطلق على كل من يحكم، سواء حكم بجور أم بحق.
والهمزة للإنكار. أي : لا أبتغي حكما غير الله. وقد قدمنا بعض الكلام في الليلة الماضية على بعض هذه الآية وأوضحنا إعراب ( غير ) و( حكما ).
وقوله : أفغير الله أبتغي حكما أي : لا يكون ذلك، لأن الهمزة إنكار، بمعنى النفي. أي : وهو الذي أنزل، الحكم الذي لا أبتغي حكما سواه هو الله الذي أنزل إليكم على لساني هذا الكتاب – القرآن العظيم- الذي جمع الله فيه ثمرات الكتب المنزلة، وجمع فيه علوم الأولين والآخرين.
وقوله : " مفصلا " أي : موضحا مبينا، آياته توضح فيها العقائد، والحلال والحرام، والأمثال، والمواعظ، والآداب، والمكارم، لأنه في غاية الإيضاح والتفصيل، والذي فصله هو الحكيم الخبير كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( هود : آية ١ ).
وقوله : مفصلا حال من الكتاب أي : أنزله إليكم في حالة كونه مفصلا، أي : موضحا مبينا فيه العقائد، مبينا فيه الحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن من القبيح، بين الله فيه العقائد، والحلال والحرام، وما يقرب إلى الله، وما يوصل إلى جنته، وما يبعد من الله ويسخطه، ويوصل إلى ناره، وبين مصير الفريقين، وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه، كل هذا موضح مفصل في القرآن، وإن كان في القرآن بعض الآيات المتشابهات، فإنها ترد إلى المحكمات، ويعرف إيضاحها بردها إلى المحكمات.
كما قدمنا في سورة آل عمران تفسير قوله : " هن أم الكتاب " ( آل عمران : آية ٧ ).
يعني : أن المحكات هن أم الكتاب التي يرد إليها ما أشكل من متشابهاته، وهذا معنى قوله : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ( الأنعام : آية ١١٤ ) التفصيل : ضد الإجمال، وهو الإيضاح والبيان. وقول من قال : " مفصلا " أي : بينه فترات وفصل، لأنه ينزل أنجما منجما ". هو غير الصواب، والتحقيق : أن معنى قوله : " مفصلا " : أنه مبين موضح، بين الله فيه العقائد، والحلال والحرام، ومصير أهل الجنة، ومصير أهل النار، وكل شيء يحتاج إليه الخلق، كما قال تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( النحل : آية ٨٩ ) فالقرآن فيه تبيان كل شيء، ولكن الناس [ كل منهم ] ( في الأصل : كلهم ) يأخد منه بقدر ما أعطاه الله من الفهم، فهو بحر، وكل يغرف منه بحسب ما عنده، كما بينه حديث أمير المؤمنين على بن أبي طالب ( رضي الله عنه وأرضاه )، كما ثبت عنه في صحيح البخاري : انه لما سأله أبو جحيفة : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ أجاب على ( رضي الله عنه ) : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. قال : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. ومحل الشاهد من الحديث : قول علي ( رضي الله عنه ) : " إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله " فهو يدل على أن من أعطاه الله فهما في كتاب الله فهم علوما خصه الله بها لم تكن عن أحد، لأن القرآن يتضمن جميع الأشياء، والناس في فهمه بحسب ما أعطاهم الله من المواهب، ولذا قال تعالى : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا .
وقوله : والذين آتيناهم الكتاب آتيناهم معناه : أعطيناهم الكتاب والمراد بالكتاب : جنس الكتاب الصادق بالتوراة و الإنجيل، وصيغة الجمع في قوله : آتيناهم للتعظيم. والمعنى : والإسرائيليون والنصارى الذين أعطيناهم علما من علم التوراة والإنجيل يعلمون أن هذا القرآن منزل من ربك بالحق أن الله نزله عليك في حالة كونه متلبسا بالحق، لأن كل ما فيه حق، لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، ولا يخبر إلا بصدق، إلى غير ذلك من أمور أحقيته.
ومعنى الآية : علماء اليهود والنصارى الذين تطلبون أن نتحاكم إليهم هم يعلمون أن هذا الكتاب الذي أنزله الله علي حق، وأني رسول الله، ولأنهم يعلمون أن الكتاب حق[ وأنه ] ( في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل، وما بين المعقوفتين [ ] زيادة لربط أجزاء الكلام ) منزل من ربك بالحق .
وقوله : بالحق كأنه في محل حال. أي : في حال كونه متلبسا بالحق، والحق : ضد الباطل. ومعناه : أن هذا القرآن لا باطل فيه، كله حق، وكله هدى فماذا بعد الحق إلا الضلال ( يونس : آية ٣٢ ) كما يأتي إيضاحه في قوله : وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ( الأنعام : آية ١١٥ ) وهذا معنى قوله : يعلمون أنه منزل من ربك بالحق .
فلا تكونن من الممترين ( الأنعام : آية ١١٤ ) ( الفاء ) كأنها سببية. أي : يتسبب عن كون هذا القرآن حقا لا شك فيه ألا يمتري أحد فيه.
وقوله : " الممترين " هو جمع الممتري. والممتري : اسم فاعل امترى، يمتري، فهو ممتري : إذا كان شاكا.
وأصله : " ممتري " من المرية، والمرية : الشك.
[ ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا فيما أوحي الله إليه، وإنما هذا كقوله : ولا تطع منهم آثما أو كفورا ( الإنسان : آية ٢٤ ) وكقوله : ولا تكونن من المشركين ( الأنعام : آية ١٤ ) وكقوله : يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ( الأحزاب : آية ١ )ولا يخفى أن رسول الله صلوات الله عليه ] ( في هذا الموضع انقطاع في التسجيل، وما بين معقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) وسلامه عليه أنه متق وأنه لا يطيع منهم آثما ولا كفورا، وأنه لا يشرك. وقد قدمنا مرارا أنه جرت العادة في القرآن أن الله ( جل وعلا ) يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وينهاه ليشرع ذلك الأمر والنهي لأمته على لسانه صلى الله عليه وسلم، لأنه هو القدوة لهم، المشرع لهم بقوله، وفعله، وتقريره، ومن أكبر الأدلة على ذلك : هو ما قدمنا في آية بني إسرائيل، وهي قوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ( الإسراء : آية ٢٣ ) هذا خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على التحقيق، لأن كل الخطابات في الآيات له، يقول له الله : إما يبلغن عندك الكبر يعني : إن يبلغ عندك والداك الكبر أو أحد والديك فلا تقل لهما أف ومعلوم أن وقت نزولها أن والديه قد ماتا من زمان، لأن أباه مات وهو حمل، وأمه ماتت وهو( صلوات الله عليه وسلامه ) صغير، فعرف أنه أمره بأنه إن بلغ والداه أو أحدهما الكبر أن يبرهما، وهما قد ماتا، لا يمكن برهما، عرفنا من ذلك أنه يأمره ليشرع للناس على لسانه صلى الله عليه وسلم، وقد بينا مرارا أن من أساليب اللغة العربية :/أن الإنسان يخاطب إنسانا والمراد عنده بالخطاب غيره، وذكرنا فيه مرارا المثل المعروف :( إياك أعني واسمعي يا جارة ) وبينا فيما مضى أنه من رجز لرجل من بني فزارة، يسمى : سهل بن مالك، نزل في بيت حارثة بن لأم الطائي، ووجده غائبا، فأكرمته أخته، وأعجب بجمالها، فأراد أن يعرض لها بالخطبة فخاطب أخرى غيرها قائلا :

يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزارة
أصبح يهوى حرة معطارة إياك أعني واسمعي يا جارة
فعلمت بنت ( هذا من سبق اللسان. وإلا فهي أخته ) حارثة بن لأم الطائي أن الخطاب موجه إليها وإن كان يخاطب غيرها حيث قال : " إياك أعني واسمعي يا جارة ".
فأجابت قائلة :
إني أقول يا فتى فزارة لاأبتغي الزوج ولا الدعارة
ولا فراق أهل هاذي الحارة فارحل إلى أهلك باستحارة
والشاهد من هذا الرجز قوله :" إياك أعني واسمعي يا جارة " فهو أسلوب عربي، يخاطب الإنسان إنسانا لينقل الخطاب بواسطته إلى غيره، والقرآن بلسان عربي مبين، ولا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المشرع، فما أمر به أو نهى عنه صار مشرعا لأمته ( صلوات الله وسلامه عليه )، ولذا قال هنا : فلا تكونن من الممترين ( الأنعام : آية ١١٤ ) وقالت جماعة من أهل العلم : الخطابات في قوله : فلا تكونن من الممترين لئن أشركت ليحبطن عملك ( الزمر : آية ٦٥ ) كالخطاب العام الموجه لجميع الناس وإن كان لفظه مفردا، كما هو معروف، كقول طرفة بن العبد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فإن هذا الخطاب لفظه كأنه مفرد، ومعناه عام موجه لكل من يصح منه الخطاب. هذا معنى قوله : فلا تكونن من الممترين أي : لا تكونن يا نبي الله. أي : يا مخاطب ممن يصح منه الخطاب من الممترين أي : في الشاكين في أن هذا الكتاب منزل من الله. أي لا تكونن من الممترين في أن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير